المستخلص
تعد دراسة الشخصيات من الموضوعات المهمة في التاريخ الحديث والمعاصر وذلك لما لها من أهمية كبيرة في الوقوف على خفايا تلك الشخصية وعلاقتها وتأثيرها في صنع الحدث والمحيط الذي عاشت فيه، وهدفنا من دراسة احدى الشخصيات التاريخية ليس البحث في المسيرة الذاتية لتلك الشخصية فحسب، بل البحث في ما هو أبعد من ذلك ألا وهو علاقة الشخصية بالمحيطين بها ودورها في صنع الأحداث التي مرت بها في تلك الحقبة.
ولاشك أن ذلك النوع من الدراسات يعد من أصعب أنواع الدراسة بسبب غلبة الجانب الذاتي على الموضوعي في أحداثها, وذلك يرجع إلى تباين الآراء حول الشخصية ومنها ما يتعلق بالخلافات الفكرية والحزبية, لذلك يتطلب من الباحث بذل مزيد من الجهد لتقصي الحقائق ومعرفة الأقرب منها إلى الموضوعية, إلا أن ما يميز تلك الشخصيات هو قدرتها الفائقة على التعامل مع معطيات العصر، والتفاعل مع إرهاصات الواقع، من خلال استجابتها العالية للتحديات والظروف المحيطة بها.
وتبرز على شاكلة تلك الشخصيات شخصية الرئيس فؤاد السنيورة، الذي أصبح واحدا من الرموز اللبنانية في ذاكرة اللبنانيين, ولأهمية الأدوار التي قام به فقد خصصت هذه الدراسة لدراسة دوره وإنجازاته السياسية والاقتصادية والإدارية والعمرانية فضلا عن الشخصية التي لا زال أغلب معاصريها على قيد الحياة وتوثق ما قدمته من خدمات في الميادين شتى, وعندما يرد اسم وسيرة الرئيس الاسبق فؤاد السنيورة في لبنان، فأن ذلك يعني استذكار قدرة البناء والإعمار في المرحلة التي تلت الحرب الأهلية التي عانت منها البلاد.
جاء اختيارنا لموضوع الدراسة الموسومة ( فؤاد السنيورة وأثره السياسي والاقتصادي في لبنان حتى عام 2009) لما تركه من اثر كبير في ذاكرة اللبنانيين وتاريخهم المعاصر، كونه أسهم في صنع العديد من القرارات السياسية، وعلى مختلف الأصعدة لاسيما في المناصب التي شغلها بصفته وزيراً للمالية، فضلاً عن دوره الرئاسي بتوليه رئاسة الوزراء للحكومة اللبنانية لمدتين متتاليتين (2005-2008) و(2008-2009)، والتي بذل من خلالها أقصى جهوده لإعادة الحياة إلى لبنان بعد أن تعرضت إلى الاجتياح (الإسرائيلي).
ان قراءة دقيقة لسيرة فؤاد عبد الباسط السنيورة منذ نشأته في ريف مدينة صيدا وحتى وصوله إلى مركز رئاسة الحكومة ودخوله السراي الكبير في بيروت، استلزمت الإجابة على أسئلة عديدة ووضع إجابات وإيضاحات لها لما في سيرة ذلك من علامات بارزة في تاريخ لبنان ودوره السياسي على الساحة اللبنانية وتطلعاته النهضوية والإصلاحية، فضلاً عن مساهمته في الحياة الاجتماعية وقد حاولت الدراسة بيان كل ذلك وتسليط الضوء على تلك الشخصية اللبنانية المهمة.
جاء موضوع الدراسة للإجابة عن تساؤلات عديدة أهمها، كيف نشأ وتعلم فؤاد السنيورة ؟ وما ثوابت شخصيته ومتغيراتها ؟ وما هي العوامل والظروف التي أسهمت في دخوله الى المعترك السياسي ؟ وما هي منجزات عمله في مضمار السياسة الداخلية ؟ وما موقفه من الأحداث السياسية الداخلية في لبنان ؟ ما هي الأسس والثوابت التي استخدمها للتعامل مع العدوان (الإسرائيلي) ؟ وكيف واجه الادعاءات (الإسرائيلية) للانسحاب وتنفيذ القرار 1071 ؟ وما هي الحلول التي تقدم بها إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة لإنهاء الاحتلال؟ تلك الاسئلة وغيرها حاولنا الإجابة عنها بعلمية في سياق الدراسة التي قسمت الى ثلاث فصول مسبوقة بهذه المقدمة ومتبوعة بخاتمة (استنتاجات) تضمنت أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.
جاء الفصل الاول بعنوان (فؤاد السنيورة حياته ونشأته وتكوينه الاجتماعي والعلمي حتى عام 2005), وقد قسم الى ثلاث مباحث : استعرض في المبحث الاول الحياة الاجتماعية لفؤاد السنيورة وسيرته العلمية, وتطرقنا فيه الى الجذور التاريخية لعائلة فؤاد السنيورة ونشأته وتعليمه والصعوبات التي واجهته، وكيف بدأ نشاطه الاداري ، وابرز الأحداث التي واجهته على صعيد عملة الاداري، التي أعطته رؤية واضحة ودافعاً قوياً للدخول الى المعترك السياسي فيما بعد، وركز المبحث الثاني على استعراض شخصية فؤاد السنيورة السياسية وانضمامه الى حركة القوميين العرب, فضلاً عن بيان علاقته بالشخصيات السياسية اللبنانية, ونشاط السنيورة السياسي في ظل حكومات الشهيد رفيق الحريري, وجاء المبحث الثالث ليعطي صورة واضحة للأوضاع السياسية في لبنان قبيل تشكيل حكومتي فؤاد السنيورة, لاسيما مواكبته للأحداث السياسية التي مرت بها لبنان بعد الحرب الأهلية, واتفاق الطائف عام 1989, ومساهمته الفعالة في حكومات رفيق الحريري وموقفه من اغتياله.
اما الفصل الثاني فقد جاء بعنوان ( الدور السياسي لفؤاد السنيورة في لبنان)، إذ قسم الى مبحثين, درس المبحث الأول تشكيل حكومة فؤاد السنيورة الأولى والمشكلات التي واجهتها مثل استمرار الاغتيالات السياسية والتفجيرات الامنية, واندلاع حرب تموز 2006, واحداث مخيم نهر البارد 2007, وجهود حكومة فؤاد السنيورة في تذليلها, اما المبحث الثاني فقد تناول عرض مفصل لظروف تشكيل حكومة فؤاد السنيورة الثانية, وما افرزته مقررات اتفاق الدوحة عام 2008, كما ركز المبحث الثاني على الاصلاحات السياسية في لبنان خلال حكومتي فؤاد السنيورة (2005-2009) .
اما الفصل الثالث فقد جاء تحت عنوان (الدور الاقتصادي لفؤاد السنيورة في لبنان), اذ قسم الى ثلاث مباحث, ركز المبحث الاول منه على الاوضاع الاقتصادية العامة في لبنان قبيل تشكيل حكومة فؤاد السنيورة, وخصص المبحث الثاني للملامح العامة للاقتصاد اللبناني في ظل وجود السنيورة (2005 – 2009), اما المبحث الثالث فقد تطرق الباحث فيه الى استراتيجيات التنمية لمشروعات السنيورة القومية في لبنان (2005 – 2009).
أما في الاستنتاجات، فقد استعرضنا أبرز النتائج التي خلصت إليها الدراسة في ضوء تناولها لمسيرة فؤاد السنيورة ودوره السياسي والاقتصادي في لبنان، منذ نشأته وحتى عام 2009م.
واجهت الباحث صعوبات عديدة في مقدمتها قلة المصادر التي درست حياة الرئيس فؤاد السنيورة وبشكل كبير، وما يهتم منها بشخصية فؤاد السنيورة ودوره السياسي بشكل موضوعي ومحايد, الأمر الذي دفع الباحث إلى جمع المعلومات القليلة المتناثرة وتبويبها منهجيا, بهدف صياغة الدور السياسي الذي أداه فؤاد السنيورة خلال تلك الحقبة من التاريخ الحديث والمعاصر, فضلًا عن ذلك، واجهت الدراسة صعوبات جمّة تمثلت في مشقة السفر وتكاليفه المرتفعة، فضلا عن تعذر الحصول على وثائق متخصصة تتعلق بالموضوع، فعلى الرغم من قيام الباحث بالسفر إلى بيروت، لم يُتح له الاطلاع إلا على مصادر محدودة، تفتقر في معظمها إلى معلومات معمقة، إذ اقتصر ما توفر منها على إشارات متفرقة ضمن ثنايا الكتب, كما اتّسمت أغلب المؤلفات المتاحة بغلبة الطابع التمجيدي والثناء على شخصية فؤاد السنيورة، لاسيما لما حظي به من ثراء ونفوذ، بينما كانت الدراسات ذات الطابع النقدي والموضوعي نادرة, وهو ما فرض على الباحث أن يتعامل مع هذه المادة المتوفرة بكثير من الحذر والدقة، منتقيًا منها ما يخدم الحقيقة التاريخية ويُسهم في تحقيق أهداف هذه الدراسة.
اعتمدت الدراسة على مجموعة من المصادر المتنوعة, أسهمت في إلقاء الضوء على فصول الدراسة ومباحثها, وجاءت محاضر مجلس النواب اللبناني للأعوام 2005- 2006- 2007- 2008- 2009, في مقدمة الوثائق غير المنشورة بما حوت من معلومات وافية لتغطيتها مراحل الحقبة الزمنية لموضوع الدراسة وما دار من مناقشات في مجلس النواب اللبناني, في حين عدت الوثائق المنشورة واحدة من أهم المصادر التي عول عليها الباحث بشكل ٍ كبير, وأحتلت مساحة واسعة في فصول الدراسة ومن بينها البيانات الوزارية اللبنانية, والملف السنوي لأحداث لبنان والعالم العربي, ومما يزيد من أهميتها أنها دونت إحداث لبنان يوما بعد أخر بكل ما فيها من تطورات, كذلك أعتمدت الدراسة على عدد من الموسوعات والمعاجم التي تضمنت معلومات تتعلق بمادة الدراسة وكان أهمها, موسوعة العائلات البيروتية والجذور التاريخية للعائلات البيروتية, لحسان حلاق, مج 1, ومعجم حكام لبنان والرؤساء 1842 – 2012 لعدنان محسن ضاهر ورياض غنام .
ومن جانب أخر شغلت كتب المذكرات نصيبا وافرا في تلك الدراسة على الرغم من غلبة الجانب الذاتي على الموضوعي فيها , لكنها رغم ذلك رفدت الدراسة بمعلومات يصعب الحصول عليها من المصادر الأخرى, لاسيما أن معظم تلك الكتب عائدة إلى شخصيات قيادية وزعماء أحزاب ومسؤولين في الدولة اللبنانية , لذلك حاولنا قدر الإمكان توخي الحذر أثناء الخوض فيها, أتى في مقدمتها كتاب مذكراتي وزيرا للخارجية والمغتربين, لمؤلفه فوزي صلوخ, والذي يعد في غاية الأهمية كون مؤلفه سياسي لبناني عاصر الأحداث وشارك فيها.
