المستخلص
ابتليت الامة الاسلامية بكثير من الاعداء والحروب منذ ظهور الدعوة الاسلامية ليومنا هذا, ففي القرن الخامس الهجري/ أواخر القرن الحادي عشر ميلادي, نظمت اوربا النصرانية حملات صليبية على البلاد العربية سميت بحملة الصليب او الحرب المقدسة وقد بدأت تلك الحرب بدعوات دينية أعدت لها البابوية اعداداً كبيراً و بكل ما استطاعت من قوة, كان الهدف المعلن لها زوراً وكذباً وهو تخليص بيت المقدس من براثن المسلمين على حد قولهم, هذه الحملات كانت بمجموعها ثمان حملات استمرت لمدة قرنيين من الزمن ( 490-690ه/1096-1291م), كانت هذه الحملات بمثابة الزلزال المروع الذي حل بالدولة الاسلامية في تلك الحقبة الزمنية بسبب ضعف الخلافة العباسية, والتشتت والتناحر الاسلامي الذي كان يسود المنطقة, ونحن اليوم نتعرض لحملات مماثلة اسماها الغربيون الصليبيون حملات محاربة الأرهاب, نستطيع القول انها جزء لا يتجزأ من الحملات السابقة لأنها وبمجموعها كان هدفها الاول محاربة الاسلام والمسلمين واحتلال الارض ومصادرة الخيرات .
كان للحملات الصليبية صدى كبير وتأشير بالغ في الشرق الاسلامي والغرب النصراني , فبرز عدد من المؤرخين المعاصرين لتلك الحملات ومن كلا الجانبين, دونوا الحوادث التاريخية كل منهم بحسب رؤيته ومعتقده الذي يؤمن به , فتنوعت مؤلفاتهم واختلفت .
بدئت الدراسات الحديثة تسلط الضوء على هذه الكتابات وتدرسها من خلال تحليلها ومقارنتها ونقدها لبيان مدى اهميتها ومصداقيتها وموضوعيتها في نقل احداث واخبار تلك الازمنة .
انطلاقاً من ذلك كانت الرغبة في اختيار موضوع يختص بدراسة جزء من تلك المدة الزمنية وبحمد الله وفقنا لاختيار موضوع يخص مرحلة زمنية محددة من هذه الحملات انحصرت بين عامي (646-669ه/1248-1270م) وهي عبارة عن حملتين صليبيتين قام بهما ملك فرنسا لويس التاسع, وهما الحملة الصليبية السابعة والثامنة, من خلال مذكرات احد الفرسان المقاتلين في الحملة الصليبية السابعة والمرافقين للملك الفرنسي لويس التاسع وهو جان جوانـﭬيل وكانت مذكراته تحمل عنوان: (مذكرات جوانـﭬيل القديس لويس حياته وحملاته على مصر والشام), وكان عنوان الدراسة: (( لويس التاسع ونشاطه الصليبي من خلال مشاهدات دي جوانـﭬيل المدونة- دراسة تحليلية نقدية )) .
تكمن اهمية هذه المذكرات في انها تعد المصدر الاساس ويكاد يكون الوحيد الذي دون احداث الحملة الصليبية السابعة وما تلاها من احداث استمرت بحدود الخمس سنوات ( 647-652ه /1248-1254م) بدقة متناهية وتفصيل يصل حد الاسهاب , ولان مؤرخها جان دي جوانـﭬيل كان احد فرسان هذه الحملة بذلك تعد روايته رواية شاهد عيان على احداثها ووقاعها وملابساتها منذ خروجها من فرنسا ومرورها بمصر وانتهائها في بلاد الشام , اضافة لذلك تناولت المذكرات حياة الملك لويس التاسع الاولى, وحروبه الاولى في أوربا واصلاحاته قبل الحملة الصليبية السابعة وبعدها في فرنسا, وجزء بسيط من الحملة الصليبية الثامنة على تونس ووفاته فيها .
تمثل مذكرات جوانـﭬيل وجه النظر اللاتينية عن الملك لويس التاسع وحملة الصليبية السابعة على الارض العربية والتي بطبيعة الحال تخالف وجهة النظر الاسلامية, لذا كان من الضروري تسليط الضوء على روايات هذه المذكرات ومقارنتها بروايات المصادر العربية ان وجدت لمعرفة مواطن القوة والضعف فيها من خلال تحليلها ونقدها, فعلى على الرغم من اهمية الكتاب باعتباره مصدرًا تاريخيًا مهماً, ولكن من الضروري التعامل معه بحذر, ويمكن الاستفادة منه كمصدر لفهم عقلية العصور الوسطى والرمزية الدينية والسياسية, مع الرجوع إلى مصادر أخرى معاصرة لتكوين صورة أكثر توازنًا .
لاشك ان دراسة الحروب الصليبية في ضوء مذكرات جوانـﭬيل توجب علينا ان نتناول في الفصل الاول سيرة حياة مؤرخها, وهذا الامر كان من الصعوبات التي واجهت الباحث, لان حياة المؤرخ جوانـﭬيل اكتنفها الغموض, فلا توجد معلومات وافية عنه في المصادر الاولية العربية, كما ان المراجع العربية التي ترجمت له ذكرت مقتطفات من حياته, مما اضطر الباحث الى البحث عن حياته الاولى في المصادر والمراجع الاجنبية لتكوين صورة كافية عنه, وهذه المصادر والمراجع بطبيعة الحال لم يكن من السهل الحصول عليها لان اغلبها لم يكن موجود داخل البلد او على المواقع الالكترونية, مما حذا بالباحث الى الاستعانة بعدد من الاشخاص لتوفيرها من خارج البلد وارسالها, ومن ثم ترجمتها للاستفادة منها, كذلك الحال بالنسبة للفصل الثاني والذي تناول الباحث فيها حياة الملك لويس التاسع الاولى وحروبه الداخلية قبل القيام بحملته, فمصادرنا العربية لم تكتب عن الملك لويس التاسع الشخصية وحروبه الاولى في فرنسا وكذلك المراجع اكتفت بترجمات بسيطة لحياة الملك لويس التاسع مما لا يشبع متطلبات البحث .
ومن الصعوبة الاخرى التي واجهت الباحث في فصول الاطروحة, ان جوانـﭬيل لم يتطرق في مذكراته مواضيع اساسية وهامة, واذا ما تركت فأنها تحدث فراغاً كبيراً لدى القارئ بتسلسل الاحداث, فعلى سبيل المثال, بالرغم من ان المذكرات تخص حياة الملك لويس التاسع وحملاته الصليبية, الا انها لم تغطي كثير من الاحداث الهامة في حياة الملك لويس التاسع والتي من خلالها يمكن فهم شخصية هذا الملك, فعلى سبيل المثال لا الحصر, ان جوانـﭬيل في مذكراته لم يتطرق لموضوع تجهيز الحملة الصليبية السابعة فلم يعطنا اي معلومة عن كيفية تجهيز الحملة, مما حذا بالباحث الى محاولة سد الفراغات الحاصلة بمذكرات جوانـﭬيل من مصادر ومراجع اخرى سواء اكانت عربية او اجنبية لإكمال الحدث .
