You are currently viewing أطروحة دكتوراه فاروق سعد / بعنوان: الصورة الصوفية في رواية قواعد العشق الأربعون لـ (ايليف شافاق) وأثرها في الرواية العربية (دراسة مقارنة)

أطروحة دكتوراه فاروق سعد / بعنوان: الصورة الصوفية في رواية قواعد العشق الأربعون لـ (ايليف شافاق) وأثرها في الرواية العربية (دراسة مقارنة)

المستخلص

       تسعى الدراسة التي استقرت على هذا العنوان (الصورة الصوفية في رواية قواعد العشق الأربعون لـ (إليف شافاق) وأثرها في الرواية العربية (دراسة مقارنة)) إلى إظهار أنماط الصورة الصوفية على وفق مكونات كتابة ما بعد الحداثة من خلال رواية قواعد العشق الأربعون للكاتبة الأمريكية تركية الأصل إليف شافاق، ورواية حارس العشق الإلهي للكاتب العربي المصري أدهم العبودي، ورواية موتٌ صغير للكاتب العربي السعودي محمد حسن علوان، والتي حُدّدت الدراسة بها.

       إذ سعى الباحث من خلال هذه الدراسة إلى قراءة ما بعد الحداثة عن طريق التصوف؛ في محاولة لم تكن إنقاصًا من الفكر الحداثي، ولا إقحامًا للمصطلح الصوفي في حالة أقرب ما تكون إلى التناقض، بقدر ما جاءت لتقارن بين ما هو موجود في الثيمات من صور مضمرة للروايات المحددة للدراسة؛ باعتبارها روايات تحمل في طياتها بعضًا من سرديات الحداثة وما بعدها، وبعضا آخر من مناحي التصوف، وبين ما هو موجود في الواقع المعيش، لنجد في النهاية ذلك التقارب بين ما هو حداثوي وما هو صوفي، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على سيرورة الفكر الإنساني، ومحاولته الدائمة الخروج من النمطية الفكرية، والارتماء في حالات فكرية جديدة تختلف مسمياتها غير أنها تقترب من بعضها البعض، وتكمل بعضها بعضًا.

     فالتصوف هو محاولة لجبر كسور الحداثة التي أعلنت فشلها للوصول بالإنسان إلى مرحلة التطور والكمال المنشود؛ خاصة فيها يتعلق باستثمار الحداثة في الماديات، وتهميشها للروحانيات، والحداثة هي إكمال لما جاء به التصوف من دعوة إلى البحث عن الكمال الإنساني، وإقرار بمحدودية العقل أمام سعة الوجود، وبقصور اللغة أمام انفتاح المدلولات، وغيرها من النقائص التي حاول التصوف في الروايات موضع الدراسة أن يقارن بينها، ويعطيها بعدا آخر، قبل أن تدخل حالة أخرى أقرّت فيما بعد بقصور الفكر الحداثي أمام متغيرات عصر لا يلبث أن يتوقف حتى ينطلق من جديد، إلى أنْ أقرَّ الفلاسفة بانتهاء المشروع الحداثي، وبزوغ الفكر الجديد الذي لم يكن أقل ضبابية من الفكر الحداثي، الذي جاء هو الأخر مثقلًا بالعديد من الأسئلة والمضمرات التي عجزت الحداثة عن الإجابة عنها، وتركت المجال مفتوحًا أمام  ما بعد الحداثة التي لم تلغِ هي الأخرى التصوف؛ كونه حالة باطنية يشتغل بشكل مضمر ليسائل الوجود، ويبحث عن إجابات تبدو في ظاهرها فلسفية، غير أنها ترتبط بالديني بشكل أو بآخر، وهذا ما سنبحث عنه في الروايات موضوع الدراسة.

        لقد جاءت هذه الروايات حاملة لمجموعة ثيمات تتصارع مع بعضها البعض، في سعي من الروائيين اللذين سبق ذكرهم في تقديم أنموذج سردي أمثل يترجم واقع الإنسان المعاصر من خلال الصورة الصوفية التي تم توظيفها، ومن ثم بيان تلك المضمرات والأقنعة الأيديولوجية التي ارتدتها حالة ما بعد الحداثة في العديد من خطاباتها، مما جعل من نصوصهم مرآة عاكسة لروح العصر ومتغيراته في قوالب سردية قلقة تُسائِلُ الوجود تارةً، وتقدم بعضًا من الإجابات الأنطولوجية تارة أخرى. إذ لم تكن هذه الروايات بمنأى عن تحولات العصر وانتقاله من الحداثة إلى ما بعدها، إذ أصبح الروائيون يكتبون بعيدًا عن فكرة الجنس الأدبي الصافي (رواية، شعر، قصة…)، وأصبحت الثيمات الروائية مزيجًا هجينًا يمركز الهامش ويُهّمش المركز، كما أضحت الرواية فسيفساء من المواضيع يتداخل فيها الروائي المتخيل مع التاريخي، والأدبي مع الفلسفي، والإيديولوجي مع الجمالي، ما جعل النقد ينزوي إلى حقول معرفية أخرى، عله يقترض منها أدوات تمكنه من دراسة الخطابات ما بعد الحداثية على اختلافها.

       إن المغايرات القصدية وأقنعة المعنى التي ضمّنها الروائيون في نصوصهم السردية، جعلت من الباحث أن يصنفها في سياق خطابات ما بعد الحداثة التي غرفت الروايات من بعض فلسفاتها، عن طريق تدخل الأيديولوجية، عبر السرد الموازي من خلال – قصة إيلا مع عزيز زهارا في قواعد العشق الأربعون، وشمس التبريزي مع جلال الدين الرومي في حارس العشق الإلهي، وسير المخطوط المتخيل الموازي لسيرة الشيخ الأكبر ابن عربي في موتٌ صغير – الذي حاد بالروايات عن صوفيتها وأدخلها أرخبيلات النظام السياسي والعولمي وأقانيم ما بعد الحداثة. فضلًا عن أنَّ نصوص الروايات يتخللها الـ pastiche الذي يدير لصق مكونات مختلفة من النصوص (اللامركزية) بشكل موحد على أساس أن السّرد يمكن أن يكون اندماجًا من أنواع مختلفة، وظفتها التقنيات ما بعد الحداثويةفي مصطلحات عدة منها: (العولمة، الثقافة التقنية التي هي مزيج التكنلوجيا بالثقافة، الغرب / الشرق، التشويه السلبي والإيجابي، مضمرات ما وراء القص …الخ). لتهدف الدراسة إلى مناقشة هذه المضامين التي سنبينها من خلال الصورة الصوفية وظاهرة الحبّ الإلهي، وأهمية موضوعها الذي يتناول الصورة الصوفية لدى الآخر الغربي المتمثل بشخصية الراوي إليف شافاق، والأنا الشرقية المتمثلة في العبودي وعلوان من خلال علاقات التأثر والتأثير بين الآداب المختلفة. إذ رصدت الدراسة تأثير رواية قواعد العشق الأربعون في الروايات العربية بشكل واضح وجلي، وتنبهنا إلى تأثير الروحانيات الشرقية في شخصيات قواعد العشق الأربعون.

       ومن هنا وجد الباحث أن رواية شافاق قواعد العشق الأربعون داعمة لمجتمع عالمي أصبحت فيه الانتماءات العامة قديمة تتعارض مع التزامها الصريح بمتطلبات وأسلوب السوق الأكاديمي الأمريكي (الثقافة التقنية). مما جعل تأثيرها عالميًا ومن هذه التأثيرات كانت في (رواية بنت مولانا للكاتبة الفرنسية مورل مفروي، وكذلك في رواية الرومي نار العشق للكاتبة الإيرانية نهال تجدّد) وغيرها من الروايات الأخرى إلا أنّ حدودنا كانت الروايات العربية المختارة فقط، فالكاتبة استعرضت رواية قواعد العشق الأربعون بوصفها تعبيرًا عن سعيها إلى تجاوز الحدود الاجتماعية من خلال الخيال. وتناولت كتابة ما بعد الحداثة بوصفها ثقافة تتناول حياة ما بعد الحداثة التي تعتمد على التسامح مع الاختلاف والتعددية العرقية والدينية، وتعدّها السبيل الأمثل لإنهاء مسيرة الصراعات الفلسفية الصارمة. وتنقل الرواية رسالة مفادها أن هناك خطأ بين الدنيوية والدين.

      إنّ أهم الأسباب التي دفعت الباحث إلى اختيار موضوع الصورة الصوفية في ضوء ما بعد الحداثة، هي تلك الرؤية التي دائمًا ما كنا نتمثلها في فلسفات ما بعد الحداثة، التي على الرغم من رفضها للروحي، إلا أنها استقت أغلب مفاهيمها منه؛ بخاصة وأنها أُنشأت على تراث ميثيولوجي (أسطوري) مرتبط بالروحانيات القديمة – بخاصة التصوف المسيحي، اليهودي- مما جعلنا نحاول الغوص فيما وراء النظريات الفلسفية الما بعد الحداثية علّنا نستطيع تفكيك تلك الصورة عبر مرجعياتها.

       وتكمن مشكلة البحث في دراسة كيفية مزج الروائيين للتاريخ بالخيال وأنواع الإجراءات التي توظفها لتحديد طبيعة التأريخ الوصفية للمحتوى عن طريق الدمج بين الكتابات / الأحاديث المختلفة التي تثير مزيجًا استثنائيًا من الأهمية المتعددة الأوجه في المحتوى المنفرد. وكيفية التخطيط لهذا الجمع بين النصوص لقصة الروايات التي يمكن أن نتحقق منها فيما بعد الحداثة، وكيفية تحديد مواطن التأثير والتأثر من خلال الصورة الصوفية.

     فمشكلة البحث تكمن بحسب ما تقدم، فيما يدور في موضوع الدراسة الذي يتمثل في دراسة وتحليل الصورة الصوفية في رواية إليف شافاق قواعد العشق الأربعون وأثرها في الرواية العربية دراسة مقارنة بين الأدبين في المجتمعين العربي والغربي، ليطرح البحث عدة تساؤلات أظنُّ أنها ستخدمه وذلك بمحاولة الإجابة عنها من خلال صفحاته لتكتمل الصورة أمام الباحثين والقرَّاء فيما بعد وتفصيلها في الآتي:

  1. هل يمكننا النظر إلى رواية (قواعد العشق الأربعون) والروايتان العربيتان المتأثرة على أنها محتوى أو مكون فني لما بعد الحداثة؟ وإذا كانت كذلك ما هي مكونات ما بعد الحداثة المتوفرة في هذه الروايات؟
  2. كيف يسهم الشكل المتداخل للنص (الخطابات التاريخية والاجتماعية والثقافية المتشابكة في النص) في رواية ما بعد الحداثة المحددة للدراسة من منظور التعددية في استنباط بعض الأيديولوجيات التي تقوم عليها الرواية؟
  3. ما مدى فائدة الحب الحقيقي في الارتقاء بمنظور الحياة؟ وهل هناك فعلًا أيديولوجيا مضمراً في الخطابات موضوع الدراسة؟
  4. ما هي ملامح الصورة الصوفية؟ وهل جاءت الصورة الصوفية وافية لكل جوانب الحياة المعيشة في الواقع؟ أم جاءت ناقصة مشوهة مبتورة؟

      وعلى هذا الأساس تبنّى الباحث في الإطار العام للأطروحة المنهج الأدبي المقارن وفقًا لنظام المدرسة الأمريكية الذي يقوم بتقديم مفهوم واسع للعلاقات الأدبية، ومدّ آفاق المقارنة لتشمل العلاقة بين الأدب وأنماط التعبير الإنساني الأخرى، بحسب ما نص عليه تعريف (هنري ريماك، ورينيه ويلك) للأدب المقارن، من خلال ملاحقة العلاقات التناصية والمتشابهة بين الآداب المختلفة، وفقًا لمفهوم “التوازي” أو ” التشابه” أو “القرابة”. وهو مصطلح أمريكي يقابل المصطلح الفرنسي “التأثر والتأثير”. فضلًا عن توظيف مناهج أخرى أملتها طبيعة النصوص في رواية قواعد العشق الأربعون، وحارس العشق الإلهي، وموتُ صغير التي اقتربت من الكتابة التاريخية والسيرة الذاتية أكثر منها الكتابة الروائية ما جعلنا نتجه إلى اعتماد آليات النقد الثقافي، والتأويل، مع استعانتنا بـ تفكيكية جاك دريدا، وحفريات ميشال فوكو لفكِ المضمرات النصية التي ضمّنها الروائيون في خطابهم؛ إذ ليس من السهل أن تستقر دراستنا على منهج معين؛ وهذا راجع إلى أمرين الأول: طبيعة الدراسة المقارنة، والآخر الزخم المعرفي والموسوعي الذي تنماز به الروايات موضوع الدراسة ولاسيّما قواعد العشق الأربعون.

       وقد أعتمد الباحث على مجموعة متنوعة من المصادر والمراجع، يمكن تقسيمها على صنفين؛ كتب تتحدث عن التصوف، كـ الفتوحات المكية، وترجمان الأشواق، ورسائل ابن عربي للشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، والمثنوي، والكتاب الأحمر The Read book  لجلال الدين الرومي وقواعد العشق للتبريزي، وغيرها من نتاجات المتصوفة. وكتب تنصب في سياق الحداثة وما بعدها؛ ككتاب نقد الحداثة لـآلان تورين وكتب فريديريك نيتشة Nietzsche Friedrich ، وكتابات مارتن هايدغر Heidegger Martin ، ومؤلفات ميشل فوكو ، وغيرها من المصادر والمراجع التي اتكأت عليها الأطروحة.

       لتبنى الأطروحة في صورتها النهائية على مقدمةٍ وتمهيد وفصولٌ ثلاثة وخاتمةٌ، إذ وظّف التمهيد التعريف بمفهوم الصورة بشكل عام وصولًا إلى المفهوم المقارن للصورة الصوفية والذي هو موضع دراستنا، ومن ثم تحديد العناصر المشكلة لهذه الصورة.

        ومن ثم وسمنا الفصل الأول بالصوّرة الميثيولوجية بـ (الأسطورية)؛ متضمّنًا تتبع الصّورة الصّوفية في مرجعياتها الثقافية في محاولة لتحديد جذورها في النصوص الروائية عبر ثلاثة مباحث هي: النماذج البدائية والتاريخية، والنماذج الأسطورية، ومن ثم أسطرة الخرافة وتبيان ألأصول المرجعية لهذه الصّورة وتشكيل فضاءاتها وأنواعها زمانيًا ومكانيًا وتاريخيًا وتراثيًا ودينيًا.

      أما الفصل الثاني فجاء بعنوان الصورة الصوفية التنّاصية؛ إذ لم نغفل عن المضمرات التناصية ما بعد الحداثية التي تشكل مضامين الخطاب الصوفي للصورة، ومن ثَمّ يفتح التعالقات النصية والمتعددة في تشكيل صورة الآخر، والسعي وراء مضّامين جديدة محملة بمؤثرات المرجعيات الثقافية، وقد قسم إلى ثلاثة مباحث: التنبه للتأثر، علاقات التشابه (التأثير والتأثر)، والتناص، من خلال التنبيهات وأوجه التشابه والتأثير والتأثر وما وراء القص التاريخي، الذي يبرز الخطابات التاريخية والدينية المتشابكة في النص.

       في حين خُصَّ الفصل الثالث تحولات الصورة الصوفية في فهم الآخر؛ إذ تطرقنا فيه إلى حالات فهم الآخر الغربي لصورة التصوف من خلال الخطاب الروائي الصوفي، وقد اشتمل مبحثين أثنين عبَّر الباحث من خلالهما عن تحولات الصورة في ثيمة الروايات المحددة التي تتركز بالأساس على التشويه السلبي للصورة الصوفية المستمدة عناصرها من العدائية تجاه الآخر، ومن ثَمّ مرحلة التسامح الإيجابي في بناء صورة الآخر على أسس واقعية معتدلة مستمدة عناصرها من وحدة الأديان والتسامح.

      واختتمت الدراسة بخاتمة ضمن فيها الباحث أهم النتائج، التي استقيناها من خلال الفصول الثلاثة، لتكون دراستنا محاولة من المحاولات التي حاولت فهم فلسفة الصورة الصوفية وفقًا لمنظور ما بعد الحداثة، وربطها بمرجعياتها الثقافية والفلسفية.