المستخلص
شهدت الرواية العربية على مدى عقود تحوّلات جذرية في الرؤية والبنية واللغة، عكست التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي مرّت بها المجتمعات العربية، كما استجابت لتحديات الواقع وتشظياته، ومع تراكم الأزمات البنيوية، وتفكك المركزيات الكبرى، وانتقال العالم من الحداثة إلى ما بعدها، وجد الروائي العربي نفسه أمام ضرورة تجديد أدواته التعبيرية، وتجاوز القوالب التقليدية التي كانت سائدة في تمثيل الواقع، سواء في شكله التاريخي أو الاجتماعي.
فقد تحوّل الروائي المعاصر إلى ما يشبه الباحث في الفكر والتراث الإنساني، بانفتاحه على الأشكال التعبيرية المتنوعة، محطِّمًا الحدود بين الأجناس الأدبية، وناهلاً من التاريخ والأساطير والرموز الإنسانية والمعرفية ، وقد نهل من تقانات مختلفة منها : سرديات ما وراء الرواية نفسها ومنها ما يخص التجريب الروائي ، فضلا عن اعتماد العجائبيات في السرد وبهذا اتسمت الرواية المعاصرة لدى عدد من الكتّاب بعمق الرؤية، وإثارة الأسئلة الكبرى، واعتماد لغة مغايرة تراعي تحوّلات كل مرحلة، وتستجيب لمتغيرات الإدراك الواقعي.
وقد تزامن هذا الانفتاح مع تطورات فكرية ومعرفية واسعة النطاق، ابتدأت مع أفق الحداثة، وانتهت بتجليات ما بعد الحداثة، حيث لم تعد الرواية وثيقة للواقع أو مرآة له، بل أصبحت تعيد بناءه عبر تقنيات اصطناعية، وخطابات متداخلة، تعكس الفوضى والتشظي والانزياح عن الثابت واليقيني ، بل إنّ الواقعية نفسها، بوصفها مفهومًا وأداة تمثيلية، أعادت تشكيل ذاتها لتتماهى مع “الواقعية الرقمية” أو “الواقعية المصطنعة”، في استجابة لتسارع الزمن الرقمي ومتطلباته التفاعلية.
ونظرًا لأهمية هذا التحوّل، وصعوبة حصره ضمن نماذج تقليدية واقعية، ارتأت الباحثة أن تتخذ من الواقع الافتراضي حقلًا تطبيقيًا لنماذجها السردية، لاختبار مدى استيعاب الرواية العربية للتحولات التقنية والمعرفية في العصور الثلاث من ما قبل إلى ما بعد الحداثة، على وفق عينة انتقائية ، ولتحقيق ذلك، توزعت الأطروحة على ثلاث مراحل زمنية/فكرية: مرحلة ما قبل الحداثة، ومرحلة الحداثة، ومرحلة ما بعد الحداثة ؛ في مسعى لتقصي ملامح التغيير في الرؤية الواقعية، وتحوّلاتها الدلالية والرمزية والوظيفية.
وقد بُنيت الدراسة على تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة: جاء التمهيد بعنوان الأدب والواقع، وتحليل الإدراك الفكري والنقدي للواقع في السياقين الغربي والعربي، مع إضاءة شاملة لتحولات تمثيله في المتن الروائي. أما الفصول الثلاثة، فقد عُني كل واحد منها بتحقيب الواقعية وتفكيك آلياتها في ضوء المرحلة التي انتمت إليها، فكان الفصل الأول موسوما بـ(الواقعية النشأة والتشكل ) ، والفصل الثاني جاء موسومًا بـ(الواقعية الجديدة)، أما الفصل الثالث فموسومًا بـ(الواقعية المعاصرة).
وقد اعتمدت الباحثة في مقاربة نصوصها المختارة على منهج “واقعي نصي”، لما فيه من تكامل بين البنية النصية والسياق الاجتماعي والفكري الذي تتخلّق فيه، وبما يتيح قراءة دقيقة لتجليات الواقعية وتحولاتها ضمن بنى سردية تستوعب تعدد المرجعيات وتشظي المعاني ، أما على صعيد المصادر، فقد استندت الدراسة إلى مصادر نقدية رصينة، عربية وغربية، واغتنت بمجموعة من الأطروحات العلمية التي شكلت ركيزة معرفية ومنهجية لفهم التحولات الواقعية في الرواية العربية ، منها، الاتجاه الواقعي في الرواية العربية الحديثة في مصر للدكتور حلمي بدير، والرواية الآن (دراسة في الرواية العربية المعاصرة) للدكتور عبد البديع عبد الله، التي سلط الضوء فيها على أبرز الأعمال الروائية الواقعية للكتَاب العرب في المرحلة الاولى (ما قبل الحداثة)، ومثله ايضا (الواقعية في الرواية العربية) للدكتور محمد حسن عبد الله، الذي تناول فيه الواقعية في الرواية العربية بشكل واسع، ولعل من اهم الدراسات التي افادت دراستي، رسالة ماجستير بعنوان الواقعية الطبيعية عند اميل زولا (تيريز راكان انموذجا) للباحثة الجزائرية وفاء زنتوت، وفي مرحلة ما بعد الحداثة، كان ان من أهم المراجع كتاب (ما بعد الحداثة في الرواية العربية) للدكتور احسان محمد التميمي، والسرديات المصطنعة للدكتور خالد علي ياس التي تناول فيها نماذج عن الواقعية المصطنعة عربيا، وفيما يخص الواقعية القذرة فالمراجع العربية تكاد إن تكون شحيحة بمادتها، باستثناء اطروحة دكتوراه بعنوان السرد بين الرواية المصرية والامريكية (دراسة في واقعية القاع) للباحثة عفاف عبد المعطي، التي درست فيها نخبة من الروائيين المصريين ومنهم (يوسف القعيد وصنع الله ابراهيم) دراسة مقارنة عن واقعية القاع بين اعمالهم واعمال الروائي الامريكي كارفر.
