المستخلص
أما بعد.. فإنَّ اللغة العربية من اللغات الحيّة التي يمتد عمرها عبر مدة زمنية طويلة، هيّأ الله لها أنْ تكون لغة القرآن الكريم وزادها شرفًا وفضلًا، وكنا نسمع أنَّ القرآن كان سببًا في عظمة هذه اللغة، بيد أنَّ المتطلع فيها يجدها انمازت من غيرها بدقة نظامها الذي يعتمد على تضافر مستوياتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، وفكرتنا تنطلق من مبدأ تعالق وتفاعل مستويات اللغة واخترنا المستويين الصوتي والصرفي أساسا للبحث لنطلع على دقة نظام لغتنا الذي ابتعد عن كل موجبات الكراهة وعدم الانسجام وصعوبة قضايا نطق الأصوات داخل الأبنية.
وقد أشار علينا الأستاذ الدكتور (محمد بشير حسن) عندما كنّا طلابًا في مرحلة الدكتوراه فكرة دراسة المؤلفات التي تدرس الصرف دراسة صوتية، وارتأيت أن تكون هذه الأفكار منطلقًا للدراسة لرغبتي في مثل هكذا موضوعات، وبعد مداولة مع اللجان المختصة في القسم المعنية بعنوانات طلبة الدراسات العليا استقر العنوان فكان (علم الصوت الصرفي في الدراسات اللغوية المعاصرة).
وتتمثل فكرة العنوان بدراسة جهود الباحثين المحدثين في علم الصوت الصرفي سواء كانت كتبًا أو أطاريح أو رسائل أو أبحاثًا جامعية، والاطلاع على ما بذلوه من جهود لغوية أسهمت في إظهار علم الصوت الصرفي بمنهجه وميزاته, وكان عملي في بحثي هذا عملا تأصيلًا يعتمد تحليل الأبنية تحليلًا صوتيًا بما موجود عند علمائنا العرب القدامى ثم بعد ذلك أبحث عن جِدة التحليل الذي حلله الباحثون المحدثون سواء أكانوا من المستشرقين أم من الباحثين العرب المحدثين.
وفكرة تحليل الأبنية تحليلًا صوتيًا هي من منجزات علم اللغة الحديث على الرغم من وجود بوادرها في الدراسات اللغوية العربية القديمة، بيد أنَّها في العصر الحديث أخذ صبغة المناهج اللغوية الحديثة التي تنظر إلى البناء نظرة صوتية فتحلل أجزاءه وتبين مراحل التحول فيه لا سيما عند إضافة بعض المورفيمات التي تحوّل الأبنية إلى حالات مختلفة من البناء والمعنى في نظام صوتي مغاير, ولا ننسى أَنَّ المورفيمات هي أصوات متجانسة تدخل البناء لتأدية معان جديدة، وهذا العمل يجمع بين مستويين وهما المستوى الصوتي والمستوى الصرفي.
ولم تطلع الباحثة في بحثها على استعمال مصطلح ( علم الصوت الصرفي) إلا أنَّ هناك دراسة قريبة جدا من دراستي وهي البحث الموسوم ( علم الصوتي الصرفي في المعاجم العربية جهود مبذولة وآمال مرجوة ) للدكتور بسام مصباح والدكتور ذو الكفل بن محمد والدكتور وان أزورى بنت وان احمد في جامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا, وقد سُبقت دراستي بدراسات مقاربة منها وكانت دراستي نقدية لكُلّ هذه الأعمال، ومن أبرز الدراسات السابقة:
- أثر الحركات في اللّغة العربيّة دراسة في الصوت والبنية، علي عبد الله القرني، أطروحة دكتوراه.
- أثر التغيرات الصوتية في تحولات الصيغ الصرفية، منى السر إسماعيل الباقر، أطروحة دكتوراه.
- التحولات الصوتية في بنية الأسماء عند تصريفها، علي سليمان الجوابـرة، أطروحة دكتوراه.
- القواعد الصرف صوتية بين القدماء والمحدثين، سعيد محمد إسماعيل علي، أطروحة دكتوراه.
- المقطع في بنية الكلمة العربية، مناع عبد الله مصلح شداد، رسالة ماجستير.
- أثر أصوات المدّ واللين في بناء الكلمة العربية، بشار حمود سيف الدين، رسالة ماجستير.
وقد كانت دراستي تعتمد على هذه الدراسات فتؤصل للموضوع والآراء، فضلًا عن تأصيل التحليل عند الباحثين المحدثين وأعرض لما كتب في الموضوع بما تيسر لي من مؤلفات في هذا الجانب، واقتصر عملي هذا في قضايا اللفظ فقط، وقضايا معاني الأبنية الصرفية ليست معنية بهذا البحث، إلّا في حدود معينة متعلقة بتحول البناء بوساطة التغيرات أو الإضافات الصوتية وحاولت الباحثة أن تبتعد عن معاني الأبنية، ويقتصر عملها على تغيرات الأبنية الناتجة عن تعالق الصوت والصرف.
وقد استقامت خطة الدراسة فكانت على تمهيد وثلاثة فصول يتبعها خاتمة ونتائج البحث وثبت المصادر والمراجع.
جاء التمهيد بعنوان (مدخل تعريفي لعلم الصوت الصرفي ومنهج الباحثين المحدثين فيه) تضمن مبحثين، تناولت في المبحث الأول (التعريف بعلم الصوت الصرفي) وبينت في المبحث الثاني (منهج الباحثين المحدثين في علم الصوت الصرفي).
والفصل الأول وسمته بـ (مقدمات صوتية وصرفية) قسمته على ثلاثة مباحث، تناولت في المبحث الأول: تعريف المقطع الصوتي وأثره في الدراسة الصوتية والصرفية، وقسمتهُ على ثلاثة محاور، تضمن المحور الأول: تعريف المقطع الصوتي والخلاف فيه، أَمَّا المحور الثاني فتضمّن: أثر همزة الوصل في تصحيح البنية، وتناول المحور الثالث: أثر المقطع في تفسير الظواهر الصرفية، تضمن: الإعلال، والتقاء الساكنين، ودرست في المبحث الثاني: الميزان الصرفي والميزان الصوتي، أما المبحث الثالث فكان في القراءات الصوتية والصرفية لأحرف الزيادة.
وجاء الفصل الثاني بعنوان (أبنية الأسماء) قسمته على أربعة مباحث، تناولت في المبحث الأول التثنية بينت فيه دراسة تثنية: (الاسم المعتل، والاسم المقصور، والاسم المنقوص، والاسم الممدود)، ودرست في المبحث الثاني: النسب تطرقت فيه إلى (الاسم المختوم بتاء التأنيث، والاسم المقصور، والاسم المنقوص، والاسم الممدود، والاسم المنتهي بياء مشددة)، أما المبحث الثالث فكان في التصغير لـ(ما جاء ثانيه حرف مد، ما كان ثالثه حرف مد، ما كان رابعه الف مد، الاسم الخماسي)، وتحدثت في المبحث الرابع عن الجموع (جمع المذكر السالم، جمع المؤنث السالم، وجمع التكسير).
ثم تضمن الفصل الثالث: (أبنية الأفعال)، وكان في ثلاثة مباحث: جاء المبحث الأول في الفعل الماضي درست فيه التغيرات الصوتية والصرفية التي تطرأ على بنية الفعل الماضي: (الثلاثي الصحيح السالم، معتل الفاء المثال، معتل العين الأجوف، معتل اللام الناقص، إسناد الفعل الماضي للضمائر، وتوكيده)، وتناولت في المبحث الثاني الفعل المضارع الذي تكلمت فيه عن التغيرات الصوتية والصرفية التي تطرأ على بنية الفعل المضارع: (معتل الفاء المثال، معتل اللام الناقص، معتل العين الأجوف، إسناد الفعل المضارع الى الضمائر، وتوكيده)، أما المبحث الثالث فتحدثت فيه عن فعل الأمر: (معتل الفاء المثال، معتل العين الأجوف، معتل اللام الناقص، إسناد فعل الأمر إلى الضمائر).
وبعد الفصول تأتي خاتمة البحث ونتائجه، ضمنتها أبرز ما توصل إليه البحث من نتائج أزعم أنَّها حصيلة تفكير لمنجز الباحثين المحدثين في هذا النوع من التأليف، وبعد الخاتمة تأتي المصادر والمراجع التي تنوعت بين القديم والحديث، وكان أكثرها من المصادر الحديثة؛ لأَنَّ الأطروحة اختصت بالبحث اللغوي الحديث.
وقد انتهجت منهجًا وصفيًا تحليليًا في أطروحتي هذه وهو الأصلح في بيان هذا الجهد الكبير الذي أنتج علمًا يمزج بين مستويين من مستويات دراسة اللغة، وكنتُ أذكرُ قبسًا من أقوال علماء العربيّة القدماء في كُلّ موضوعٍ من الموضوعات؛ لأعطي انطباعًا أَنَّ التوجيه الصوتي الصرفي لم يقتصر عند الباحثين المحدثين؛ بل إِنَّهم سُبقوا بهذا النمط الفكري الذي يمزج الصوت مع الصرف، ولا بد للباحثة أن تذكر أهم الصعوبات التي واجهتها في بحثها وكانت من أهمها صعوبة الموضوع؛ لأنَّ الدراسة الصوتية من الدراسات الصعبة التي يتهيبها طلبة العلم وتزداد الصعوبة عندما تكون في الدراسة الصوتية الصرفية أو ما يُسمى بـ(علم الصوت الصرفي)؛ إذ لابد أن يكون للباحث أوليات الدراسة الصوتية وأن يكون متمكنًا منها ليستطيع تحليل الأبنية التي وردت عند الباحثين المحدثين فقد عانيت في بداية أمري لولا أن منَّ الله عليّ بالأستاذ المشرف الذي كان ينير دربي في مسيرتي هذه فيشرح ما استغلظ عليَّ وأُقفل، ومن الصعوبات الأخرى سعة الموضوع، فالموضوع واسع ومتشابك لأنَّه يجمع بين علمين وكان بي حاجة إلى مزيد من الوقت فضلًا عن الظروف الاجتماعية التي مررت بها في مدة الكتابة والتي أثنتني عن العمل والبحث، لولا أن تداركني الله بلطفه وتيسيره.
ولا بد من وقفة أشكر فيها صاحب الفضل عليّ، أستاذي الدكتور محمد بشير حسن الذي أشرف على هذا البحث، وتابع خطواته، وحرص على إخراجه في هذه الصورة، فله مني جزيل الشكر، وعظيم الامتنان، على الجهود التي بذلها، والرعاية التي ملأني بها وأنا اشق طريقي في بداية العمل، فجزاه الله كل خير عني وعن هذا البحث.
وأود أن أُشير إلى أنَّ عملي هذا هو محاولة أولى لبيان هذا العلم الجليل الذي ظهر بحُلة جديدة وهو يحاكي الواقع اللغوي، وسيكون هذا العمل بشكل أفضل عندما أتشرف بتقويمه وإصلاح ما وقعت فيه من زلل وخطأ وهنات وهي من صفات البشر الذي اتسم بصفات النقص وعدم الكمال؛ لأن الكمال لله سبحانه وتعالى، اسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
ة
