المستخلص
بعد: فَتُعَدُّ اللّغة العربيّة إحدى لغات العالم التي يتكلَّم بها عدد غير قليل، وامتدت على مُدّة زمنية طويلة؛ فتهيأ لها من العناية والرعاية ما لم يكن لغيرها، ومن سعة أُفقها أَنَّها ما زالت تمدنا بأفكار تصلح للدراسة والبحث في مستوياتها كافة، ومن هذا المنطلق كانت فكرة دراسة الحكاية اللّغوية في معجمات اللّغة؛ إذ لوحظ ورود حكايات في مستويات اللّغة كافة، وتعدّ الحكاية اللغوية مصدرًا بارزًا من مصادر عصر التدوين؛ إذ نقل لنا أصحاب المعجمات العربيّة نصوصًا محكيةً عن أئمة اللّغة بما رووه أو سمعوه ونقلوه عن الأعراب، والحكاية اللغوية من الموضوعات البارزة في التراث اللّغوي؛ بوصفها طريقةً من طرائق المحافظة على بعض الاستعمالات الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية؛ إذ بَيَّنَ صانعو المعجمات ألفاظ اللّغة ومقاصدها، وشرحوا غريبها ومتعلقاتها المسموعة من ألسنة العرب الفصحاء.
تنبع أهمية الموضوع بوصف الحكاية رافدًا بارزًا من روافد معجمات اللّغة التي نقلت لنا ألفاظًا يمكننا الاستدراك بها على كثيرٍ من مواضع اللّغة، على الرغم من غرابتها وقلّتها في الاستعمال.
وقد اقترح عليَّ الأستاذ الدكتور محمد بشير حسن – مشكورًا – هذهِ الفكرة؛ فعملتُ على جمع النصوص، والاطلاع على تفاصيل الفكرة، وبعد مداولة مع لجنة الحلقة النقاشية، وكان للأستاذ الدكتور مكي نومان إسهامٌ في صياغة العنوان، وعلى النحو الآتي: (الحكاية اللّغوية في المعجم العربيّ حتّى نهاية القرن الرابع الهجريّ).
وجدير بالذكر أَنَّ فكرة دراسة الحكاية اللّغوية لم تحظَ إِلَّا بنزرٍ يسير من الدراسات الأكاديمية، ولم تُعْنَ – في حدود ما اطلعنا عليه – بعنايةٍ مستقلةٍ تفي بخصوصيتها، وتكشف عن أبعادها اللّغوية؛ إذ انصرفت الجهود القليلة التي عُنيت بها إِلى دراسات محدودة النطاق، أو مقارباتٍ مقيدة بإطاراتٍ نظريةٍ بعينها، بعيدةٍ عَمَّا قصدناه في سفرنا هذا من تتبعٍ لقضايا اللّغةِ، والسماعِ، واللهجاتِ.
اقتضت طبيعة البحث تقسيمه على خمسة فصول، تسبقها مقدمة وخاتمة تضمنت أَبرز النتائج، وملحق بنصوص الحكايات، يلحقها ثبت المصادر والمراجع.
جاء الفصل الأَوّل بعنوان: (مفهوم الحكاية اللّغوية وعلاقتها بالرواية والمنهج) وقُسِّمَ على أربعة مباحث، استعرض المبحث الأَوّل: (الحكاية في اللّغة والاصطلاح، وألفاظ الحكاية)، أَمَّا المبحث الثاني فخصص لـ(الحكاية اللّغوية في التداول والنقل)، وعرض المبحث الثالث: (الحكاية اللّغوية والرواية)، أَمَّا المبحث الرابع فخُصِصَ لـ(القيمة العلميّة والمنهجية للحكاية اللّغوية)، ثمَّ أعقبه الفصل الثاني وعنوانه: (الحكاية في المستوى الصوتي)، وَقُسِّمَ على ثلاثة مباحث، خُصص الأَوّل منهُ لـ(ما حُكي في الإبدال بين الصوامت)، واشتمل المبحث الثاني على: (ما حُكي في الإبدال بين الصوائت)، أَمَّا المبحث الثالث فشمل: (ظواهر صوتية متفرقة)، وجاء الفصل الثالث بعنوان: (الحكاية الصرفية)، وقُسِمَّ على مبحثين، خُصِصَ الأَوّل منهُ: لـ(أبنية الأسماء)، والثَّاني: لـ(أبنية الأفعال). أَمَّا الفصل الرابع فخصص لـ(الحكاية النحوية في الأسماء والحروف)، وجاء على مبحثين، تناول المبحث الأَوّل: (المسائل النحوية في الأسماء)، في حين خُصِصَ المبحث الثاني لـ(المسائل النحوية في الحروف)، وأشير إِلى أَنَّ فصل النحو كان أَقل فصول الأطروحة؛ إذ بلغ خمسًا وعشرين صفحةً؛ وذلك بسبب قلّة الحكايات الواردة في عينة الدّراسة المحددة، فضلًا عن أَنَّ موضوعات الحكاية اقتصرت على الأسماء والحروف بحسب ما توافر من مادة. وخُصِصَ الفصل الخامس لـ(الحكاية الدلالية)، ضمَّ ثلاثة مباحث، عرض المبحث الأَوّل: (ما حُكي من دلالات الألفاظ)، وبيّنَ المبحث الثاني: (ما حُكي من المشترك اللفظي والترادف والأضداد)، أَمَّا المبحث الثالث فدرسَ: (ما حُكي من التطور الدلالي)، ورتبت الألفاظ داخل المباحث بحسب الترتيب الهجائي المعروف، ويتبع الفصول خاتمة البحث ضمنتها أَبرز ما توصل إليه البحث من نتائج، ثمَّ يعقبها ملحق بنصوص الحكايات ومواضعها الواردة في معجمات اللّغة حتّى نهاية القرن الرابع الهجريّ، أحصيت فيه مواضع الحكاية جميعها، وأثبتها وأحلتها على مصادرها.
وبعد الملحق يأتي ثبت المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في دراستي.
وكان عملي المنهجي يركز على تعيين الحكاية وتوثيقها، والتأكد من نسبتها إِلى صاحبها؛ لتوخي صحتها وصحة أثرها في اللّغة، وكنت أعرض الحكاية على معجمات اللّغة؛ للبحث في صحتها وما لَهُ علاقة بها، متخذة من الوصف والتحليل أساسًا في عملي، ثمَّ اختم حديثي – على الأغلب – ببيان أثر الحكاية.
وقد واجهتني صعوبات جمّة في هذا العمل؛ لعلَّ من أَبرزها: جِدَّة الموضوع؛ إذ لم أجد – في حدود ما اطلعت عليه – من سبقني إِلى دراسته دراسةً مستقلةً، كذلك صعوبة رصد معاني الألفاظ المحكيّة وتتبعها في ظواهر اللّغة المختلفة، وما يتطلبه ذلك من دقّةٍ في الاستقراء، وموازنة السياقات، والرجوع إِلى معاجم اللّغة.
وأخيرًا، لا بُدّ أَنْ أتقدّم بوافر عبارات الثناء والعرفان والامتنان لأستاذي المشرف الأستاذ الدكتور محمد بشير، الذي كان معي على طول الدرب، مشرفًا ومقومًا، وأمدني بما استعنت به لإِنجاز هذا العمل من مصادر ومراجع، واستشارة؛ فكان بحقٍ نِعمَ السند الذي كانت لآرائه وتوجيهاته اليد الطولى بأنْ أوصلَ هذهِ الدّراسة إِلى ما هي عليه.
