المستخلص
فإن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز، ونوره الذي لا يخبو، وهداه الذي لا يضلُّ سالك طريقه، وهو كتاب خالدٌ بمعانيه، باقٍ بألفاظه، محفوظ بحفظ الله له، متجدِّد العطاء لكلّ عصر، ومُمدّ القلوب والعقول بفيض من الفهم والتأمل والتدبر، ومن أبرز سمات هذا الكتاب العظيم التوسّع الدلالي، الذي يمثّل مظهرًا من مظاهر إعجازه، ودليلاً من دلائل علوِّ بيانه، إذ إن الكلمة القرآنية الواحدة قد تتّسع لمعانٍ شتى، وتحتملُ وجوهًا دلالية متعددة، في إطار محكم لا إضراب فيه ولا تناقض، ممّا يدلّ على الإحكام المعجز والبيان البديع.
والتوسّع في المعنى لا ينبع من المجاز والتأويل وحده، بل هو نتيجة لتضافر البِنية اللغويّة مع السياق، والنظم القرآني مع المقام، والنحو مع البلاغة، فيتولّد عن هذا التفاعل الدقيق معانٍ متراكبة، ومستويات دلالية متعدّدة، تتّسع للفهم والتدبر، ولا تقف عند ظاهر اللفظ، بل تغوص في أعماق النص، وتفجّر ينابيعه، وتستخرج من كلماته ما يُثري العقل، ويُحيي القلب، ويُرشد السلوك، وهذه الخاصية هي التي جعلت القرآن الكريم حيًّا في كل زمن، متجدِّدًا في كل عصر، يستجيب لأسئلة الواقع، ويتفاعل مع قضايا الإنسان، مهما تغيّرت بيئته أو تقدّمت معارفه.
لقد كان اختياري لهذا الموضوع (التوسّع الدلالي في تفسير (لباب التفاسير) للكرماني بعد (ت 500ه)، اختيارًا لم يَحْكُمه المنهج وحده، ولا فرضته خارطة البحث الأكاديمي فحسب، بل هو اختيار نابع من أعماق القلب، ودافع من جذوة الشغف التي تأججت منذ أن لامس سَمعي أوّل مرة نبرة تلك المحاضرات المتألقة، التي ألقاها العلاّمة اللغوي الكبير د. فاضل صالح السامرائي، فكانت كأنّها مفاتيح تفتح أبواب الفهم القرآني، وتكشف أسرار البيان، وتنقل السامع من ظاهر اللفظ إلى روحه، ومن سطح المعنى إلى عمقه، ومن الإعجاب إلى الانبهار.
لقد وجدت في دروسه روحًا تسري في النص القرآني، وتوقظ فيه الحياة، وتشعر المُنصِت أنّ الآية ليست كلماتٍ محفوظة فحسب، بل كيانٌ بيّنها دلالة، ويَفيضُ حكمة، ويتّسع للفهم والوجدان معًا، فكان لذلك الأثر في نفسي أبلغ مما تُحدثه المواعظ المجردة، إذ غرست تلك المحاضرات في قلبي حبًّا متزايدًا لما يُعرف بـ (التوسّع في المعنى القرآني)، وجعلتني أرى أنّ وراء كلّ لفظ قرآني عالمًا من الدلالات، لا يقف عند ظاهر واحد، بل يتّسع ويتعدد ويتكامل، على نحو لا تبلغه إلّا النصوص الإلهية، المتفرّدة في تركيبها، الفريدة في نسقها.
ومن هذا الدافع الروحي والعلمي معًا، جاء اختياري لهذا البحث، إذ رأيت أن تفسير (لباب التفاسير)، للكرماني بعد (ت500ه)، بِما فيه من ملاحظات لغويّة، ووقفات تفسيريّة، واهتمام بالتحليل الدلالي، يُمثّل حقلًا خصبًا يُمكّن الباحث من تتبع مظاهر التوسّع في المعنى، ويمهّد لفهمٍ أعمقٍ للنصّ القرآني، ويُسهم في تجديد النظر في التفسير من زاوية بلاغيّة ودلاليّة.
ومن هنا تبرز مسوغات هذا البحث، الذي يهدف إلى دراسة التوسّع في المعنى في تفسير (لباب التفاسير)، بوصفه محاولة علمية لإبراز الطاقات الكامنة في النصّ القرآني من جهة، والكشف عن آليات فهمه عند المُفَسِّر من جهة أخرى، مما يُسهم في إثراء الدرس التفسيري والدلالي المعاصر، وإنّ في هذا البحث تأكيدًا على أنّ القرآن الكريم لا يزال مَعينًا لا ينضب، متى ما حاولنا التعامل معه بدقةٍ وفهمٍ، وأحطنا بأدواتنا العلمية واللغوية والبيانية، والله الموفق إلى سواء السبيل.
وقد اقتضت طبيعة هذه الدراسة وما تقتضي من دقّةٍ في التناول، وشمولٍ في الطرح أنْ تُقسم على مقدمة وتمهيد وأربعة فصولٍ تنتهي بخاتمة جامعة لأهمّ ما توصّلت إليه من نتائج .
أمّا التمهيد، فقد جعلته مُمهدًا للدخول في موضوع البحث، فاشتمل على التعريف بصاحب التفسير محل الدراسة الإمام الكرماني (رحمه الله)، فعرّفت بشخصه، وأشرت إلى ملامح منهجه التفسيري، مبرزةً ما امتاز به تفسيره (لباب التفاسير) من عنايه باللفظ القرآني، ورصد لمواطن التوسّع الدلالي فيه، خاصة من الجوانب اللغوية والنحوية والبيانية, وكذلك تناولتُ دراسة مفهوم التوسّع الدلالي، وبينتُ فيه مكانته وأهميته في علم التفسير، بعدَّه أحد المفاتيح الأساس، التي تفتح أبواب المعاني القرآنية، وتكشف عن مراميها المتعددة وقدرته على الجمع بين الظاهر والباطن، والمباشر والضّمني في البيان القرآني.
ثم افتتحت فصول الدراسة بالفصل الأول، الذي خصّصته لبيان التوسّع الدلالي في المستوى الصوتي؛ لِما للصوت من أثر عميق في توجيه الدلالة القرآنية، وقد تناولت في هذا الفصل ثلاثة مباحث ، بدأتها بدراسة التوسّع في الهمز ، ثم تناولت في المبحث الثاني التشديد والتخفيف ، أمّا المبحث الثالث فقد خصصته لاختلاف الحركات.
وأمّا الفصل الثاني من هذه الدراسة، فقد خُصص للوقوف على التوسّع الدلالي في المستوى الصرفي، وقد اشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث ، افتتحته بالمبحث الأول، الذي تناولت فيه التوسّع في الاشتقاق، ثمّ انتقلت في المبحث الثاني إلى بيان التوسّع في تعدد الدلالات الصرفّية وصيغ الجمع، وخُتم هذا الفصل بالمبحث الثالث، الذي تناول اختلاف اللغات.
ويتناول الفصل الثالث، الذي وُسِمَ بـ (التوسع في المستوى الدلالي)، أثر الظواهر اللغوية في توسيع الدلالة في النص القرآني، وقد اشتمل هذا الفصل على مبحثين رئيسين، جاء المبحث الأول بعنوان (الاتساع في التفسير بالضد)، أما المبحث الثاني الذي جاء بعنوان (الاتساع الدلالي بالدلالة المعجمية )، فقد تناول ظاهرة المشترك اللفظي.
أمّا الفصل الرابع من الرسالة، فتناول التوسّع في المستوى النحوي، بعدّه أحد أبرز مظاهر الإعجاز اللغوي في النصّ القرآني، ويتضمن اربعة مباحث تفصيلية تستعرض جوانب مختلفة من التوسع النحوي وأثرها في إثراء المعنى وتوسيع دلالاته، فالمبحث الأول: (التوسع الدلالي في الخلاف في المشار اليهِ)، والمبحث الثاني: (التوسع الدلالي في اختلاف الإعراب)، أما المبحث الثالث فتناول (التوسع في الأساليب النحوية)، أمّا لمبحث الرابع: فتناول (التوسع الدلالي في دلالة الحروف) .
ونشير هنا الى أنَ الفصل الرابع اقتصرَ على هذه المباحث الاربعة وذلك لغزارة المادة النحوية التي تتضمن توسعاً دلالياً في تفسير الكرماني.
والمنهج الذي اعتمدتهُ في دراستي كانَ يتراوح بين الوصف والتحليل قدر الإمكان, وملاحقة الآراء, والاقوال في كتب التفسير واللغة السابقة على تفسير( لباب التفاسير) واللاحقةُ به.
