المستخلص
أما بعدُ فتُعدُّ الأنساق البديعية أنظمة تضم مكونات تتفاعل و تتكامل فيما بينها مع بقية عناصر البناء الشعري، تُسهم في تحقيق التصوير الشعري بطريقة مؤثرة في ذهن المتلقي؛ إذ لا يقف أثر هذه الأنساق عند حدود التزيين الشكلي فحسب, بل يتجاوزه إلى عمق البنية ودلالاتها؛ ليصنع الكشف عنها مدخلًا لفهم النص، وفي هذا الإطار تركّز الدراسة بشكل خاص على النسق البديعي في ديوان الشاعر.
وتهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن مفهوم الأنساق البديعية وتتبعها باعتبارها أنساقًًا عَبرَ ديوان الشاعر الصوفي ابن بنت الميلق بوصفها تقود إلى فهم المعاني الكلية للنصوص، كما تسعى إلى قياس مدى فاعلية هذه الأنساق في إظهار حمولات النص وانفعالاته العاطفية والدينية، ولاسيما ما يتصل بالعشق الإلهي والانتماء لله تعالى، وللرسول محمد (ﷺ)، عبر توظيفها في شعر ابن بنت الميلق.
ويكمن سر اختياري لهذا الشاعر في أثر الفكر الصوفي على شعره، لما يشكّله الشعر الصوفي من حقلٍ خصبٍ، وأرضٍ بكرٍ للدراسات البلاغية الحديثة؛ ولأن لغته ذات طبيعة خاصة؛ إذ هي مليئة بالرموز والإشارات التي تحتاج إلى معاجم خاصة للوصول إلى مقاصدها، وبما أن الشاعر ابن بنت الميلق (797هـ) عاصر البديعيات في القرن الثامن الهجري فقد كان تأثّره واضحًا بها، إذ مثلّت ألوان البديع في وقتها ظاهرة شائعة التوظيف، وعمد الشاعر لتلوين خطابه وأسلوبه بهذه المحسنات إلى أن شكلت في ديوانه نسقًا، مما جعل الباحث يسعى إلى البحث عن المعاني عبر تتبع هذه الأنساق، لأنها تشكل مفتاحًا لفهم النصوص، ومن ثم يعمل على تأويلها وفهم مقاصدها.
ويتساءل الباحث ما إذا كان بالإمكان الكشف عن قدرة الشاعر الفنية والفكرية من خلال نسقه البديعي؟ أي: هل سار الشاعر على نسق بديعي معين مما يسمح للقارئ الكشف عن هويته، ومعاني نصوصه، ومقاصدها؟ وهل مثلت الأنساق البديعية بشقيها اللفظي والمعنوي في الديوان ملمحًا أسلوبيًا؟ وهل أدى توظيفها إلى اكتمال البناء العباري، وقدرة هذا البناء على إحداث التصوير الشعري المطلوب، ومن ثم التأثير في المتلقي؟ كل هذه التساؤلات سوف يجيب عنها الباحث في هذه الدراسة من خلال التنظير والتحليل, منطلقًا من فرضية: أنَّ تتبع النسق البديعي يقود إلى فهم معانيه بشكل أفضل، وتمييز سماته التي يتميز بها عن غيره، وسيتم إثبات صحة هذه الفرضية عبر تتبع هذه الأنساق في الديوان، وسيتم عرض ذلك في النتائج.
وقد واجهت الدراسة بعض الصعوبات، ولاسيما ما يتعلق بقلة المراجع التي درست شعر (ابن بنت الميلق)، ويبدو أن هذه الدراسة قد حظيت بشرف الأسبقية للوقوف على نصوص ديوانه، والتطرق إليها بوصفها ميدانًا للتحليل، كما تفردت باقتران مصطلح (الأنساق) بالبديع.
ولقد أفدتُ من الدراسات السابقة التي تطرقت إلى البديع ومظاهره، فمن الدراسات المهمة دراسة بعنوان: (المظاهر البديعية في خطب الإمام علي -عليه السلام- دراسة بلاغية) رسالة ماجستير في اللغة العربية وآدابها، تقدم بها حيدر أحمد حسين الزبيدي، في جامعة ديالى، العراق، للعام الجامعي 2007م، وقد أثبتت الدراسة أن المظاهر البديعية في الخطب العلية جاءت متوازنة بعيدة عن الإفراط والتكلف، تقوم بوظيفة متكاملة متناسقة صوتًا وتركيبًا ودلالة.
أما الدراسة الثانية فكانت بعنوان: (المظاهر البديعية وأثرها الأسلوبي في التعبير القرآني)، رسالة ماجستير في اللغة العربية وآدابها، تقدمت بها الطالبة هدى صيهود زرزور العمري، في جامعة ديالى العراق، للعام الجامعي 2013م، وقد عملت على إثبات أصالة المصطلح البديعي، بوصفه ملمحًا أسلوبيًا، وإنكار فكرة التقسيم الثنائي المندرجة في هيكليته، ونفي قصور وظيفته الفنية على التحسين، ومعاينة عطاءاته ورصد فاعليته الأسلوبية في إنتاج الدلالة، والاتجاه بألوانه ومظاهره نحو الابتكار.
