المستخلص
مثلت الصحافة المعاصرة للأحداث أحد أهم المصادر التي من الممكن الأعتماد عليها من قبل المؤرخ في دراسة التاريخ الحديث، لما تضمنه من مادة تسجل الوقائع والتطورات في زمن حدوثها، وكشفت عن طبيعة التفاعل المجتمعي مع الاحداث السياسية والاقتصادية والثقافية وتكتسب الصحف غير الرسمية ولاسيما ذات الطابع الادبي والثقافي، أهمية خاصة في الدراسات التاريخية، اذ قدمت رؤية مغايرة للسرد الرسمي، وتتيح الوقوف على تصورات النخب الفكرية تجاه التحولات التي كانت تجري في بلدانهم وفي محيطها الدولي، وتسهم في إعادة بناء صورة المجتمع وتحولاته في المراحل المبكرة لتشكيل الدولة الحديثة، وفي هذا الاطار برزت جريدة صوت الحجاز بوصفها جريدة ادبية أهلية، كان لها حضور فعال في المشهد الثقافي والفكري، صدرت في مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة العربية السعودية، شكلت مصدرًا تاريخيًا مساعدًا يمكن من خلاله تتبع ملامح الحياة العامة، ورصد التحولات الداخلية، ومتابعة انعكاس الاحداث الخارجية في الوعي المحلي خلال السنوات الاولى من قيام الدولة السعودية الحديثة، التي كانت تسير نحو بناء علاقات خارجية وطيدة مع الدول العربية ومع باقي دول العالم، في سنوات شهدت العديد من التطورات والاحداث الاقليمية والدولية، وهو ما اسهم في إعادة بناء صورة أشمل للسياق التاريخي، واكمل ماورد في الوثائق الرسمية والمصادر التقليدية.
جاء اختيار جريدة صوت الحجاز موضوعا للدراسة، كونها من الصحف المبكرة التي واكبت مرحلة تأسيس المملكة العربية السعودية، وتميزت باستمرارية صدورها نسبيا خلال مدة الدراسة، فضلا عن تنوع مادتها المنشورة التي جمعت بين البعد الثقافي والادبي من جهة، والبعد التوثيقي والاخباري من جهة أخرى، الأمر الذي أتاح فرصة تتبع ألاحداث التاريخية ورصد تطوراتها زمنيا من خلال مصدر معاصر لها، من دون الالتزام بالخطاب الرسمي للدولة، كما لا يخفى ان المكتبة الاكاديمية العراقية بشكل خاص، والعربية بشكل عام، احتوت العديد من الدراسات الاكاديمية، التي تطرقت بالبحث عن التطورات الداخلية التي شهدتها المملكة العربية السعودية، وعن علاقاتها الخارجية، لكنها لم تبحث بشكل تفصيلي بالمصادر الثقافية، التي من الممكن ان نستسقي منها مادة تاريخية مفيدة مثل جريدة صوت الحجاز، وعليه تم التوجه الى دراستها والبحث فيها بالتركيز على الحقبة الزمنية الممتدة بين (1932-1941) كون ان العام الاول يمثل تاريخ تأسيس الجريدة، الذي تزامن مع إعلان قيام المملكة، فيما جاء عام 1941 نهاية الاطار الزمني للدراسة، كونه العام الذي توقفت فيه الجريدة عن الصدور، بفعل ظروف الحرب العالمية الثانية، اذ احتجبت ولم تظهر مرة ثانية على المسرح الثقافي السعودي تحت نفس المسمى، بل أسست بعدها جريدة البلاد السعودية التي عدت امتدادا لها.
هدفت الدراسة الاجابة على العديد من الاسئلة التي ممكن ان تبنى عليها اشكالية الدراسة، منها الى أي مدى ممكن توظيف جريدة ادبية ثقافية مثل صوت الحجاز، كمصدر تاريخي في دراسة التطورات الداخلية ؟، ما حدود مصداقيتها في نقل الاحداث الخارجية ؟، والى اي حد وصل تأثير مضمون الجريدة بطابعها الادبي والثقافي ؟، وكيف عالجت الجريدة التطورات الداخلية في المملكة العربية السعودية خلال المرحلة التأسيسية ؟ هل يمكن عد ما نشرته الجريدة انعكاسا لوعي المجتمع السعودي والنخب الثقافية بالاحداث ؟، ما حدود الدقة والموضوعية في الاخبار المنشورة مقارنة بالمصادر الاخرى ؟، هل كان هناك شكل من أشكال الصحافة الأهلية في المملكة العربيَّة السعوديَّة قبل صدور جريدة صوت الحجاز؟ وهل كان الملك عبدالعزيز بن سعود داعما لإنشاء الجريدة؟ وهل كانت للجريدة تنتهج حرية التعبير في ما تقوم بنشره؟ هل كان لرؤساء تحرير الجريدة تأثير في نهجها؟ هل اقتصر اهتمام الجريدة بالجوانب الأدبية فقط؟ وهل سارت على نمط واحد من المقالات التي ترد فيها؟ أم أَنَّهُ حصل حدث بارز أدى إِلى تغيير في اتجاهها؟ والسؤال الاهم هل ساعدت في أحداث تغيرات أو تطوير جانب معين في جوانب الحياة في المملكة العربيَّة السعوديَّة؟ وقد حاولنا جهدنا في الإجابة عن تلك الأسئلة في ثنايا الدراسة.
ان الكتابة والبحث في الجرائد ليست بالامر اليسير والهين، إذا وجدت الكثير من الصعوبات، التي ابتدأت بكيفية تأمين كامل الأعداد، لانها غير متوفرة في بلدنا العزيز العراق، مما اضطرنا للاستعانة بأحد المواقع الاجنبية التي كانت محضورة الاستخدام في العراق، وايضا محاولة التواصل مع صحفيين من داخل المملكة العربية السعودية من أجل الحصول على أعداد الجريدة كاملة مما كلف الوقت والجهد الكثير، الصعوبة الثانية تكمن في عملية استخراج المادة التاريخية وتصنيفها اذ تطلب قراءة وتحليل وربط معلومات لأعداد الجريدة، البالغة نحو (592) عددًا فيها الكثير من التفاصيل المعقدة والمملة أحيانًا، والتي احتاجت الصبر والحزم الكثير، لأَنَّها تطلبت استخراج منها ما يخص الامور التاريخية فحسب، بعيدًا عن الأمور الفنية والادبية والثقافية، كذلك من الصعوبات الاخرى ان تلك الاعداد لم تكن مستمرة في متابعة الأحداث بشكل متتابع من حيث التسلسل التاريخي لها، مِمَّا ادى إِلى فقدان بعض المعلومات التي تم إكمالها عن طريق الاعتماد على المصادر الأُخرى، ولم يقتصر ذلك على الأحداث الداخلية فقط بل شملت العربية منها والدولية، لذلك رُكِزَ في فصول الدراسة على أبرز وأهم المواضيع التي أوردتها الجريدة بشكل مستمر زمنيا، ومع محاولة الابتعاد قدر الامكان عن المواضيع التي تابعتها الجريدة بشكل غير متواصل، حتى لا نقع في خلل قطع سلسلة التواصل الزمني للاحداث، كما واجهنا تفاوت بين تواريخ نقل الجريدة للأحداث وتاريخ الحدث الأصلي، مِمَّا أدى إِلى الإرباك في نقلها ودفع ذلك إلى التوجه إِلى مصادر خاصة بتلك الأحداث للتأكد من تواريخها، وصعب ايضا معرفة شخصيات بعض الشعراء والكتاب الذين استعملوا أسماء مستعارة في كتابة مقالاتهم منهم من تمكنا التعرف عليه عن طريق المعجمات والموسوعات، وبعضها الآخر تعذر علينا اكتشاف هويتهم الحقيقية طوال مُدَّة الدراسة.
اقتضت طبيعة موضوع دراستنا تقسيمها على: مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة، عُنوِن التمهيد باسم الحياة الثقافية والفكرية في مملكة نجد والحجاز (1926-1932)، قُدِمَ فيه أهم التطورات الفكرية والثقافية في مملكة نجد والحجاز في المُدَّة المحددة، شملت تلك التطورات التعليم بمختلف أنواعه والبعثات الدراسية، وظهور المكتبات والمطابع في تلك المُدَّة، وحمل الفصل الأَوَّل عنوان: جريدة صوت الحجاز: ظروف إصدارها، مضامينها، وأبرز روادها (1932-1941)، عُرِضَ في هذا الفصل الظروف التي رافقت صدور الجريدة واهم مضامين صفحاتها، فضلًا عن رؤساء ومدراء تحرير الجريدة الذين تعاقبوا على تحريرها، ومن ثم بيان أبرز كتاب الجريدة وشعراؤها، وجاء الفصل الثاني بعنوان أبرز التطورات الداخلية في المملكة العربيَّة السعوديَّة التي أوردتها جريدة صوت الحجاز (1932-1941)، وُضِحَ فيه التطورات التي مرت بها المملكة في مُدَّة الدراسة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني وما صدر من أنظمة وقوانين في تلك المُدَّة، ومن ثم كرس الفصل الثالث من الدراسة لتغطية جريدة صوت الحجاز لبعض القضايا العربية والدولية (1932-1941) أكمل هذا الفصل مسيرة الجريدة في نقلها لبعض التطورات العربية والدولية سواء أكان على الصعيد الآسيوي أم الأوروبي، وتم ذلك مِمَّا نقلته الجريدة من أخبار نشرت في صحف تلك البلدان، أو عن طريق المراسلين الذين تقوم باختيارهم الجريدة للعمل على نقل آخر التطورات التي تحدث خارج المملكة العربيَّة السعوديَّة، ثم جاءت الخاتمة بأهم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها بعد الاطلاع على الأحداث والأخبار التي أوردتها الجريدة وتابعتها الباحثة في دراستها.
ارتكزت الدراسة علي مجموعة من المصادر المفيدة التي ساعدت في اتمام هذا العمل كان أهمها:
الدراسات العلمية:
استندنا إِلى مجموعة من الرسائل والأطاريح الجامعية في كافة فصول الدراسة، أبرزها رسالة الباحث عبدالرزاق خلف خميس الزيدي، التي حملت عنوان (التطورات الداخلية في المملكة العربيَّة السعوديَّة 1932-1953م /1351-1373ه) اُعتِمدَ عليها في اغلب فصول الدراسة لكونها غطت مدتها، فقد تابعت دراسة التطورات الداخلية للمملكة منذ توحيدها عام 1932، وما أصدره الملك عبدالعزيز بن سعود من قوانين وأنظمة وما اتخذه من قرارات في جميع الجوانب، فضلًا عن دراسة الباحث عبدالعليم علي عبدالوهاب أبو هيكل الموسومة (بناء الدولة السعودية في عهد الملك عبدالعزيز 1932-1953) ساعد في اغلب فصول الدراسة، ولا سيَّما التمهيد، أشار فيها الباحث إِلى إرساء عبد العزيز ال سعود القواعد الأساسية لنظام الحكم في المملكة العربيَّة السعوديَّة والتطورات التي حدثت في جميع الجوانب، ولا سيَّما الثقافي منه.
