You are currently viewing رسالة ماجستير شهد عباس / بعنوان: الأسلـوب البلاغيّ في جامع مرويّات أمـيـر المؤمنين علي بن أبي طالب (23 ق.هـ – 40هـ) وأقوالهِ في تفسير القُرآن الكريم

رسالة ماجستير شهد عباس / بعنوان: الأسلـوب البلاغيّ في جامع مرويّات أمـيـر المؤمنين علي بن أبي طالب (23 ق.هـ – 40هـ) وأقوالهِ في تفسير القُرآن الكريم

المستخلص

فإِنَّ علم البلاغة أحد أَبرز علوم العربيّة التي نشأت وبلغت أشدها في ظلال القُرآن الكريم الوارفة، وتجلت ملامحها الأولى في محاولة فهم بلاغة النصّ القُرآني، وخصائصه الأسلوبية، التي أعجزت العرب فصاحةً وبيانًا، ولما يزل هذا الكتاب العظيم يُشكّلُ مركزًا تدور حولهُ علوم العربيّة كافة، منها: علم التفسير، الذي لم ينفصل منذُ نشأته عن الجهد البلاغي في فهم النصّ؛ بل إِنَّ أَغلب المفسرين الأوائل كانوا على قدرٍ كبيرٍ من الإلمام بأساليب اللّغة وطرائق الخطاب. وفي هذا السياق برزت شخصيات علمية كان لها بالغ الأثر في نقل الفهم العميق لمعاني القُرآن الكريم، ومن أبرزهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (u)، الذي يُعَدُّ من أوائل المفسرين، وأبلغ الخطباء، وأعلم النَّاس بكتاب الله بعد النبيّ (r).

       واستنادًا إِلى ذلك، يأتي موضوع دراستي الموسومة بـ((الأسلوب البلاغي في جامع مرويات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (23 ق.ه-40 ه) وأقوالهِ في تفسير القُرآن الكريم)؛ لتسليط الضوء على أحد الجوانب البارزة من تراث الإمام علي (u)، وهو الأسلوب البلاغي في تفسيره للقُرآن الكريم، وأقواله في تأويله؛ بعد جمع رواياته المأثورة، وتفسيراتهِ المنطوقة في بطون كتب التفسيرٍ، والحديث، والبلاغة، ومن ثمَّ تحليلها تحليلًا بلاغيًا دقيقًا على وفق مناهج النقد والدرس اللساني الحديث؛ للكشف عن البنية الأسلوبية التي اتسمت بها تعبيراته، وبيان إسهام بلاغته في إثراء الدلالة التفسيرية، وتوسيع أفق التأويل القُرآني.

       فلذلك جاءت هذهِ الدّراسة استجابة لحاجةٍ علميّةٍ متنامية إِلى إعادة قراءة التراث الإسلامي في ضوء المناهج البلاغية الحديثة، والربط بين النصوص المأثورة والآليات التحليلية، التي تبرز جماليات التعبير القُرآني، وفهم السلف لَهُ، ولاسِيَّمَا من شخصية مركزية، كعلي بن أبي طالب (u)، الذي كان صوت البلاغة القُرآنية في أوج صفائها، واحد أكثر الصحابة التصاقًا بروح النصّ وبيانه.

وقد عَرَف التاريخ الإسلامي والعربيّ شخصية الإمام علي بن أبي طالب (u) لا بوصفهِ خليفةً راشديًا، وقائدًا سياسيًا فحسب؛ بل موسوعةً علمية ناطقة، يتميز بيانه بالفصاحة، وعباراته بجزالة الأسلوب وعمق المعنى، وكان من أَشد النَّاس بصيرة بأسرار الوحي، وطرائق التعبير القُرآني، وقد نقلت عنهُ كتب التراث تفسيره للعديد من الآيات، كذلك احتوت أقوالهُ على قدرٍ كبيرٍ من الإشارات البلاغية، واللّغوية، والرمزية، التي تكشف عن عمق نظره في تأويل كلام الله تعالى.

       وليس هناك أدنى شكّ في أَنَّ الدّراسة لموضوع كهذا قد تواجه إشكالية إِلى حدٍّ ما، تتمثل في طرحنا لسؤال مهم ألا وهو: ما تجسدت الأساليب البلاغية التي ظهرت في مرويات الإمام علي بن أبي طالب (u) وأقوالهِ في تفسير القُرآن الكريم؟ وما طبيعة البناء أو الصيغة التعبيرية التي يتميز بها خطابه التفسيري؟

       ولحل هذهِ الإشكالية فإِنَّنا سنحاول أَنْ نحقق مجموعة من الغايات في دراستنا هذهِ، وهي: دراسة مرويات الإمام علي (u) وأقوالهِ والمتوافرة في كتب التراث؛ لفهم معناها، وشرحها أكثر، ثمَّ تصنيفها بحسب الأساليب البلاغية المستعملة فيها، مثل: (التشبيه، والاستعارة، والكناية، والإطناب، والحذف، والتقديم، والتأخير…)، كذلك تحليل البناء البلاغي لتلك الأقوال، وربطه بالمعاني، ثمَّ بيان أثر البلاغة في تعميق الفهم القُرآني، وتوضيح المقاصد الإلهية كما بدت في أقوال الإمام (u).

       ومن الطبيعي أَنَّ البحث في هكذا موضوع قد يواجه صعوبات عِدّة، كان أَبرزها: تفاوت الروايات في الصحة والثبوت، التي تطلبت التحري النقدي لها، فضلًا عن تشظي المادة التفسيرية في المصادر.

اعتمدت هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، فقد تمّ اختيار المادة التفسيرية من أقوال الإمام علي (u) ومروياته، ثم عقب  ذلك إجراء فرز أولي للأساليب البلاغية الواردة فيها، ثم تحليلها باستعمال أدوات البلاغة العربية التقليدية، بما يشمل تحديد الوسائل البلاغية في النص وبيان وظائفها ودلالاتها. كما تمّ عند الحاجة، الإفادة من بعض النظريات اللسانية الحديثة، دون المساس بالطابع التراثي الأصيل للنصوص المدروسة.

       قُسِّمَت الدّراسة على: ثلاثة فصول، تسبقها مقدمة وتمهيد، وتتلوها خاتمة وثبت بالمصادر والمراجع، فجاء التمهيد بـعنوان (عرض تعريفي لمصطلحات عنوان الدّراسة مع توضيح خصائص الأسلوب البلاغي عند الإمام علي  بن أبي طالب (u))، وقد قُسِّمَ على محورين، الأَوّل: (الأسلوب، والقول، والرواية، والجامع بين اللغة والاصطلاح)، والثَّاني: (الأسلوب البلاغي للإمام علي بن أبي طالب u)))، وقد تضمّن عِدَّة فقرات، هي: فصاحته، وبلاغته، وإيجازه الدائم، وتأثيره البلاغي، ووصف بلاغة الإمام علي (u)، وآراء المستشرقين في بلاغته (u).

        بعدها يأتي الفصل الأَوّل بعنوان: (أسلوب المعاني في مرويات الإمام علي بن أبي طالب (u) وأقواله)، وقد ضَمَّ ثلاثة مباحث، وُسِمَ المبحث الأَوّل بعنوان: (أسلوب التقديم والتأخير) يعالج هذا المبحث طرائق التقديم والتأخير في مرويات وأقوال الإمام (u) في إعادة ترتيب عناصر الجملة القرآنية والشرح التفسيري، لإبراز معنى مخصوص أو دفع لبس دلالي، وُسِمَ المبحث الثاني بـ(أسلوب القصر) الذي يحلّل أساليب القصر في نصوص الإمام (u) في الحصر لإبراز حقيقة قرآنية محددة وإلغاء الاحتمال الدلالي الزائد، ويُظهر دوره في تقوية الحجة وتثبيت المعنى المركزي المراد من النص، وَوُسِمَ المبحث الثالث بعنوان: (أسلوب الفصل والوصل) يدرس هذا المبحث فهم أساليب الفصل والوصل وعلاقتها بمرويات أو أقوال الإمام (u) وتأثيرها على الجمل لتحقيق دقة في بيان استقلال المعنى أو اندماجه، ويبرز أثر هذا الأسلوب في إحكام البناء البلاغي للنص التفسيري، وقد تركز البحث فيه عدد من أساليب البيان في مرويات، وأقوال الإمام علي (u)، أَمَّا الفصل الثاني فكان بعنوان: (الأسلوب البياني في مرويات الإمام علي بن أبي طالب (u) وأقواله)، تضمّن ثلاثة مباحث، وُسِمَ المبحث الأَوّل بـ(أسلوب التشبيه) يفحص هذا المبحث التشبيهات العلوية بوصفها أداة تصويرية تقرّب المعنى القرآني وتحوّله إلى صورة إدراكية واضحة، ويكشف وظيفتها البلاغية في تقوية البنية التفسيرية عبر تجسيد المعنى، في حين وُسِمَ المبحث الثاني بـ(أسلوب الاستعارة) يحلّل نقل الدلالة عبر الاستعارة، وكيف يبرز الإمام (ع) قدرتها على كشف الطبقات المعنوية للآية الكريمة، أَمَّا المبحث الثالث فَوُسِمَ بعنوان: (أسلوب الكناية) يدرس هذا المبحث أسلوب الكناية في مستوياتها الثلاثة، وما تمنحه من إيحاء دقيق يوسّع الدلالة دون تصريح، ويظهر استعمالها بوصفها أداةً تفسيرية تعزز الإيحاء وتكثيف المعنى، وقد تركزت الدّراسة فيه على عِدَّة أساليب من أساليب المعاني في مرويات الإمام علي (u) وأقوالهِ.

أَمَّا الفصل الثالث فأتى بعنوان: (الأسلوب البديعيّ الأسلوب في مرويات الإمام علي بن أبي طالب (u) وأقوله)، وقد تضمّن مبحثين، وُسِمَ المبحث الأَوّل بعنوان: (أسلوب البديع اللفظيّ) يحلّل هذا المبحث المحسنات اللفظية في مرويات وأقوال الإمام (u)، وأثرها في بناء إيقاع بلاغي تفسيري لا يخلّ بوضوح  الدلالة، ويبرز وظيفتها في تثبيت المعنى، في حين وُسِمَ المبحث الثاني بعنوان: (أسلوب البديع المعنويّ) الذي  يفحص الطباق والمقابلة والالتفات في نص الإمام (u) بوصفها أدوات لتعميق التفسير وإظهار العلاقات المعنوية داخله، ويكشف أثرها البلاغي في تعزيز البنية البديعية واتساق الدلالة، وقد تركزت الأساليب البديعية في مرويات الإمام علي (u) وأقواله.

ثمَّ ختمت الدّراسة بأَبرز النتائج التي توصلت إليها، مع تقديم بعض التوصيات التي يمكن أَنْ تُسهم في توجيه الدراسات المستقبلية في هذا المجال.

       وأخيرًا، فإنَّ الإفادة من علوم الإمام علي بن أبي طالب ومعارفه في تفسير القرآن الكريم لا تندرج ضمن إطار الجهد العلمي الأكاديمي فحسب، بل تتجاوز ذلك لتُمثِّل مسعىً منهجيًا لإحياء صوتٍ رصين من أصوات الفهم القرآني الأصيل. ويكتسب هذا المسعى أهميته في سياقٍ معاصر تتعاظم فيه الحاجة إلى ترسيخ بلاغة الفهم ودقته، بوصفها أساسًا يسبق بلاغة التعبير ويؤسس لها.

وفي النهاية أتقدّم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ المساعد الدكتور  سعد عدوان وهيّب، لما أولاه من عناية علمية دقيقة ومتابعة مستمرة طوال مراحل إعداد هذه الدراسة، فضلًا عن توجيهاته السديدة وملاحظاته القيّمة التي أسهمت إسهامًا جوهريًا في إخراج هذا البحث بصورته الراهنة. كما أتوجّه بوافر الامتنان إلى الأستاذ الدكتور فاضل عبود التميمي والأستاذ الدكتور إياد عبد الودود الحمداني، لما قدّماه من دعم علمي ملحوظ، بدءًا من اقتراح عنوان الدراسة، وصولًا إلى الإسهام في بلورة الإطار العام لخطة البحث، فلهما مني بالغ التقدير وعظيم الاحترام.