المستخلص
يُمثّل التحول الحضاري الذي أحدثه الإسلام نقطة انعطافٍ جوهرية في بنية الوعي العربي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأنساق الجمالية والتعبيرية للقصيدة العربية ومن هذا المنطلق الساعي لرصد التغيرات القيمية والفنية، تأتي رسالتي الموسومة بـ ((التمثلات الفنية لتحولات الهوية الاجتماعية والثقافية في شعر صدر الإسلام)) لتسليط الضوء على أثر تحولات طرأت على التمثلات الفنية للنص الشعري في عصر صدر الإسلام بعد الموازنة مع العبارة الشعرية للنص الشعري الجاهلي وخصائصه ، ذلك أن الإسلام كان محورا مهما بارزا في قيام تلك الانتقالات في صبغة الهويتين الاجتماعية والثقافية للشاعر العربي فسعت الدراسة إلى بيان ذلك متبعة منهجا وصفيا تحليليا يعتمد الانتقاء لشعر شعراء بارزين في العصرين الجاهلي وصدر الإسلام، ونظرًا لطبيعة الدراسة القائمة على رصد تلك التغيرات المهمة للتمثلات الفنية وأثرها في تأسيس هوية الشاعر الاجتماعية والثقافية فقد انقسمت الخطة على تمهيد، و ثلاثة فصول، وخاتمة، مشفوعة بسرد للمصادر والمراجع، إذ يستعرض التمهيد موجزا لمفهوم الهوية وتحولاتها على الصعيدين الاجتماعي والثقافي للشعر بين عصرين متباينين هما الجاهلية وصدر الإسلام، ويأتي الفصل الأول للحديث عن التحول في الأغراض وموضوعات شعرية اكتسبها الشعر في عصر صدر الإسلام على المستويين الاجتماعي والثقافي تلك الأغراض المهمة كان أبرزها (الفخر, والمديح, والرثاء, والوصف) وموضوعات اخترنا منها (شعر الجهاد) لمزية التحول فيه خاصة، وبيان ما تركه الإسلام من أثر بليغ بوصفه سبب ذلك الحراك المهم في الانتقالات، ويأتي الفصل الثاني بعنوان (الانا الشاعرة والآخر الشاعر) إذ شكل ذلك العنوان وصفا بارزًا لشخصية المرأة بوساطة مرآتها وما انعكس عليها من مرآة غيرها من شعراء عصرها في الجاهلية وصدر الإسلام، وقد افردت للمرأة عنوانا مستقلا قائما بذاته في فصل بعينه, لما رأيته من الأهمية بمكان من بيان تغيرات طرأت على شعر المرأة بين العصرين وصبغة هويتها الاجتماعية والثقافية على هذا الأساس، والرؤية المعكوسة لرؤية شعراء عصرها في شخصها ورسم صورتها والتركيز في ذلك على غرض الغزل، واستكمالا لمحاور الدراسة يأتي مسك الختام مع موضوع الفصل الثالث الذي يتضمن دراسة لغة الشعر في العصرين وما طرأ عليها من تناص قرآني على وجه الخصوص لتوضيح أثر القرآني البالغ في ذلك التحول للشعر على المستويين الاجتماعي والثقافي، وتأتي الخاتمة لبيان العديد من النتائج خلصت إليها الدراسة، ولعلي اذكر دراسات عدة أفدت منها, الدراسة الاولى بعنوان (صورة الرسول (ﷺ) في شعر صدر الإسلام) إعداد طالبة الماجستير روضة مفيد عبد الهادي صالح, وبإشراف أ. د. إحسان الديك , جامعة النجاح, نابلس, دولة فلسطين, والتي توصلت إلى مجموعة من النتائج منها أن شعراء صدر الإسلام تنوعوا في تضمين قصائدهم أساليب بلاغية كالتكرار, والأمر, والنهي, والاستفهام, والنداء، فجاءت لغتهم مشبعة بروح القرآن الكريم والسنة النبوية. وبعد اعتناقهم الإسلام وتعمق الإيمان في نفوسهم، تأثرت لغتهم وصورهم الفنية، فاختاروا ألفاظًا تخدم القيم الإسلامية.
أما الدراسة الثانية فجاءت بعنوان (الرثاء في الشعر الجاهلي وصدر الإسلام), رسالة ماجستير أعداد الطالب حسين جمعة, بإشراف أ. د. عمر موسلى باشا, جامعة دمشق كلية الآداب, سوريا, وقد توصلت في نتائجها إلى أفكار مهمة منها أن منبع الشعر يعود إلى البيئة الجاهلية، ومنها انطلق الحديث عنه، إذ كانت تلك المرحلة البذرة الأولى للشعر، فخلصت له.
ومن الدراسات السابقة الهامة دراسة ثالثة بعنوان (الأدب العربي في العصر الجاهلي وصدر الإسلام)، زكريا عبد الرحمن صيام, تناولت التحول الأدبي بين العصرين بوصفه انتقالاً في القيم والمعايير نتيجة التحول الديني والحضاري، مع إبراز أثر القرآن الكريم في تهذيب اللغة وتوجيه المضامين. كما اعتمدت نماذج شعرية مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير للكشف عن ملامح التحول الفني بين بيئتي البادية والحاضرة، مستندةً إلى مقاربة فنية حديثة تتجاوز السرد التاريخي إلى تحليل البنية الدلالية والجمالية للنص.
ومن الدراسات السابقة دراسة رابعة موسومة بعنوان (لغة الشعر عند حسان بن ثابت في العصر الجاهلي وصدر الإسلام) لـ ستي نور عفني راحيو, (الجامعة الإسلامية الحكومية بمالانج، 2008)، تناولت تحولات اللغة الشعرية لديه في ضوء عوامل فطرية وبيئية وحضارية ودينية، كاختلاف اللهجات، واتصال الشعوب، وتأثير القرآن والحديث. وقد خلصت إلى أن شعره في الجاهلية اتسم بجزالة اللفظ ووعورة المسلك، ثم مال في صدر الإسلام إلى السهولة والوضوح بتأثير التحول الديني وكثرة الاحتكاك الثقافي.
