المستخلص
انبَثَقَتْ كُتبُ اللُّغةِ في فَجْرهَا الأَوَّل جامعَةً لِعُلومِها، وشَاملَةً لِخصائِصِها، فعَنَى المُتَقدِّمون وِعُلمَاءُ اللُّغَةِ في بادِئ الأَمرِ أنْ يقَدِّموا المادَّةَ اللُّغَوية مُجتَمِعَةً في مُصَنَّفاتِهِم، فلا يكاد يُوجَد مُؤلَّفٌ إلّا واجْتَمَعَ النَّحوُ والصَّرْفُ والصَّوْتُ فيه، فبَقيَ الحَال عَلى مَا هو عَليه، حَتى رَأى بَعْضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ، كابن المُؤدب والمازني، أنْ يجعَلُوا مِن علُومِها مُتَفرقَةً كُلّ عِلمٍ مُستَقِلٍ عن غَيرهِ، فَلَمَّا كَانَ الصَّرفُ قِسْمًا مِن المَادَّةِ النَّحوية جَعَلوه قَسِيمًا للنَّحوِ، لا قِسْمًا منه، ولا مُتَوسِطًا مَوضُوعَاتِهِ، وذلك لِمَا لهذا العِلم من أهَمِيةٍ في مَعْرِفةِ أُصُولِ الكَلِم، وتَشكُّلِ الأَلفَاظِ، فَعَدَّه الصَّرفيون الأصلُ الصَّرفيّ المُولِّد لتلك المُفردات، الذي يُخْرِجُ إلينا الكَلِماتَ تَامَّةً مُتناسِقَةً تُوافِقُ ذائِقَةَ السَّمعِ، مِمَّا حَثَّني للغَورِ في أَعْمَاقِهِ والكَشْفِ عن مَكَامِنِهِ، ومِمّا يُبَيِّنُ شَرَفَهُ احْتِياجُ جَمِيعِ المُشْتَغلينَ باللُّغَةِ العَربيةِ، مِن نَحْويِّ، ولُغَويِّ إليه أيَّما حَاجَة؛ لأنَّه مِيزانُ العَربِيةِ، ألا تَرَى أنَّه قد يُؤخَذُ جُزءٌ كَبيرٌ من اللُّغةِ بالقِياسِ، ولا يُوصَلُ إلى ذلك إلّا عن طَريقِ التَّصْريفِ.
وبعد البَحثِ في كُتُبِ التَّصريف، وَجدتُ في كِتاب:( التَّذييلِ والتَّكميلِ في شَرحِ كِتابِ التَّسهِيل)، لمُؤلفِه (أبي حَيان الأَنْدَلسي)، المُتَوفى سنة (745ه)، مادَّةً صَرفيةً تُناسب دِراسَتي، الذي عدَّهُ أغلبُ البَاحِثِين مِن أغزَرِ الكُتُبِ اللُّغَوية التي احْتَوتْ على مَادَّةٍ عِلمِيةٍ هائِلَةٍ، امتَدَّتْ من الخليل وسيبويه حتى القرن الثَامِن الهِجريّ، وهو خُلاصةُ الدَّرسِ اللُّغَويّ على مَدى تلكَ القُرون، الذي شَرَحَ فيه كِتاب (تَسْهِيلُ الفَوائِدِ وتَكمِيلُ المَقاصِدِ) عُصَارَة الجُهدِ النَّحوي لابنِ مَالك الجّيانيّ، الذي جَمَعَ بَينَ دَفَّتَيهِ عِلمَيّ (الإعْراب والتَّصْريف)، وتَكْمنُ قيمةُ كِتَاب (التَّذييل والتَّكميل) في تَرتِيبِ مَوضُوعَاتِهِ التي لا نَكادُ نَجِدُهُا عِند غَيرِه، كذلك ذِكْرُهُ للخِلافَات والمَذَاهِب والآراءِ المُختَلِفة الكَثيرَة، وما يَخصُّ البَاحِثَ في هذا الكِتَاب هو الدَّرسُ الصَّرفيّ فيه، الذي جاء في أجزائهِ الأَخيرة، وعَليه جاءَتْ هذه الدِّراسَةُ المَوسُومَة بـ(المَبَاحِثُ الصَّرفِية في التَذييلِ والتَّكمِيلِ في شَرحِ كِتابِ التَّسهِيلِ لأبي حَيان الأندَلُسي ــــ دِراسَة تَحلِيليَّة وَصفِيَّة) .
ولعلَّ أهَمِّ الأَسْبَابِ التي دَعَتنِي إلى اخْتِيارِ المَوضُوعِ، مُيُولي للدَّرْسِ الصَّرفيّ بِشَكلٍ كَبِير، فهو مِنَ الرَكائِزِ الأَسَاسِيةِ التي يرتَكزُ عَلَيها طَالِبُ العِلمِ، فلا أنْسَى عِبارةً قالَها الدكتُور (إبراهيم رحمان الأرَّكي) أطالَ اللهُ في عُمرِهِ في وُجوبِ دِراسةِ عِلمِ الصَّرفِ:(مَن لَم يَدْرُسِ الصَّرفَ، كأنَّه يَمْشِي على سَاقٍ وَاحِدَةٍ). لذا دَعَتِ الحَاجةُ إلى الغَوصِ في حَيثِياتِ هذا العِلم .
ولم أكنْ أَوَّلَ مَن قَدَّمَ الدَّرسَ الصَّرفيّ بِصِفَتي باحثًا في الكُتبِ اللُغَوية والصَّرفية، فقد سَبقَنِي الكَثِيرُ من البَاحِثين وأَهلِ الاختِصاص، إلّا أنّي قد سَبَقتُ مَن يأتِي بعدي، في دراسةِ (المَباحِث الصَّرفية) في كِتابِ (التَّذييل والتَكميل)، فالهَدفُ الرَّئيس من هذه الدِّرَاسَة يَتلخص في :
- تَقديم شَخصِيتَين وقامتَين عِلمِيَتَين، مَلأت مُصنَّفاتُهم المَكتَبة اللُّغويةَ العَربية، نَحوًا وصَرفًا وأدبًا وتَفسيرًا وفقهًا.
- دِراسة المَّادة الصَّرفية التي جَاءت في كتاب (التذييل والتكميل) عامة، وتسليطُ الضَوءَ على (أبي حيان) خاصة، وبيان شَخصِيته العِلمية المُتمَثلةِ في آرائه ومُوافَقاتهِ ومُخالفاتهِ واستدرَاكاتهِ والردِّ على المَسائل الصَّرفية التي قَدمها ابن مالِك.
- إثراء المَكتَبة اللغوية بِعَملٍ بسيطٍ من (الدَّرس الصَّرفي)، الذي نَسأل الله أن يَنتَفِعَ به طَلبة العِلم ولو بِشيءٍ يَسير.
وفي ما يَخصُّ الصُّعوبات التي واجَهتني، لعَلَّ أبرَزَها، هو الحصول على نُسخةٍ من (الكِتاب) بِطبعته الحَديثة والتي احتَوت على الأجزاء الصَّرفية، فقد عانى الباحِث كَثيرًا حتى حَصَل على نُسخةٍ جَديدَة، ومِن الصُعوباتِ التي وَاجَهتِني هي سِعَةُ مَتنِ الكِتَابِ، وصُعُوبَة اللُّغة المُستَعمَلة في فَهمِ بَعضِ المَسائِل الصَّرفِية في الكِتاب؛ الذي عُدَّ من أوسَعِ وأصعَبِ الشُروح العَرَبية .
ومن بَابِ الأَمانَة العِلمية أوَدُّ أن أذكر أهم الدِّراسَات السَابقة التي أفدتُ منها، هي: دراسة الباحثة: حنين محمد عمر أبو سمعان، المَوسُومة: بـ (التوجيهات النحوية للشواهد القرآنية في التذييل والتكميل لأبي حيان الأندلسي حتى نهاية التوابع دراسة وصفية تحليلية)، ودراسة الباحثة: أ/ نوره يس محمد محمود، المَوسُومة: بـ(كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل لأبي حيان الأندلسي دراسة تحليلية) .
