المستخلص
تُعدّ القصّة القصيرة أحد أكثر الأنواع السرديّة التصاقاً بالتجربة الإنسانية، عبّر اللحظة المكثفة التي تلتقطها، وتعيد صياغتها فنياً كاشفة عمّا يختبئ وراء الظاهر من عوالم مختلفة من المشاعر، والانفعالات، والأسئلة، والمواقف، وذلك من خلال لغة موجزة، سلسة، واضحة، تجعل القارئ في حالة تماهٍ مع الحدث، ورغم قصرها مقارنة بالرواية فإن ذلك الإيجاز من مكامن القوة التي تميز القصّة، فهي لا تعتمد على الإيجاز فقط، بل على عمق الرؤية، وإحكام البناء الفني، وبفضل ايقاعها السريع أصبحت القصّة القصيرة أقرب لروح العصر بما تحمله من صفات تتلائم مع واقع الانسان، وتحولاته المتسارعة، وعليه أصبحت صوتاً معبراً عن الانسان، ومرآة تعكس تعقيدات الواقع…
تسعى هذه الرسالة إلى إضاءة ابداع القصّة القصيرة في ديالى بوصفها جزءاً أصيلاً من المشهد السردي في العراق، ذلك من خلال دراسة منتخبات قصصية لعدد من كتّاب المحافظة، وتتبع الأسس الفنية للقصّة، التي شكلت رؤيتهم السرديّة، وما قدمته قصصهم من طرائق جديدة في التعبير عن الواقع، والانسان، وجاء اختيار هذا الموضوع متوافقاً مع اقتراح استاذي الفاضل الدكتور ( فاضل عبود خميس التميمي)، والذي حظي بموافقة اللجنة العلمية، مصحوب برغبة جادة من الباحثة لاستكمال ما بدأه الدكتور في كتابه الموسوم ( السرد في ديالى من منتصف الثلاثينات حتى الستينيات ) لتكون هذه الرسالة امتداداً زمنياً له حاملة عنوان ( القصّة القصيرة في ديالى- دراسة في الرؤية والبناء) بدءاً من السبعينيات حتى العام 2003 .
استندت الباحثة في هذه الدراسة إلى عدد واسع من المصادر التي تناولت القصّة القصيرة في العراق، والوطن العربي، فضلاً عما كتب عن السرد في ديالى، وفي مقدمتها كتاب الدكتور (فاضل عبود التميمي)، (السرد في ديالى)، وكتب أخرى منها كتاب الدكتور (عباس عبد جاسم) الموسوم بـ(قضايا القصّة العراقية المعاصرة)، وكتاب الدكتور (حسين عيال عبد علي) الموسوم بـ(التجريب في القصّة العراقية القصيرة حقبة الستينات)، وكتاب الدكتور (اياد جوهر عبد الله) الموسوم بـ(البناء الفني في قصص كاظم الأحمدي)، فضلاً عن المجموعات القصصيّة لقصّاصي محافظة ديالى، وعن مراجع سردية أخرى.
اعتمدت الباحثة المنهج الوصفي ذا الرؤية التحليلية في دراسة القصّة القصيرة في ديالى؛ لما يتيحه هذا المنهج من مزج بين الوصف والتحليل، وفحص الظاهرة وتفسيرها من الداخل، وكان الاختيار مبنياً على ملائمة النص لموضوع البحث، وقد تضمنت الرسالة تمهيداً وثلاثة فصول وخاتمة، اشتمل التمهيد على عرض موجز لتاريخ القصّة القصيرة في العراق، وبيان جذورها وبداياتها ثم التعريف بالقصّة القصيرة وسماتها، ورصد المراحل التي سبقت الحقبة الزمنية التي تناولتها الرسالة بالاستناد إلى كتاب الدكتور( فاضل التميمي)، (السرد في ديالى) الذي كان الأساس الأول لرصد بدايات القصّة في ديالى أو بالأحرى الكتاب الذي شكل صورة واضحة ومتكاملة عن بدايات السرد في تلك المحافظة مع بيان الأسماء التي أسهمت في تأسيس التجربة السرديّة في ديالى قبل السبعينيات، وقد مهد ذلك لعرض المجموعات القصصية المدروسة في ديالى منذ السبعينيات حتى عام 2003، والتي مثلت تنوّع التجربة القصصية في المحافظة في موضوعاتها، إذ ضمت أعمالاً لأمل عبود، ومحيي الدين زنكنة، وسعد محمد رحيم، وصلاح زنكنة، ومحمد الأحمد، وبشار صبحي، وتحسين علي محمد، وعباس خضير الويّس، وياسين خضر القيسي، وكامل كاظم التميمي وغيرهم.
كان الفصل الأول قد تناول مفهوم الرؤية القصصية بوصفها الركيزة التي يبنى عليها العمل السردي، وكيف يعبّر القاص من خلالها عن موقفه من الواقع والعالم، وقد أشتمل الفصل على مبحثين: الأول في الذات المهمشة والمقاومة، والثاني في الآخر بوصفه امتداداً للذات، أو مقابلاً له، ومتجسداً بصورة داخليّة أو عجائبية.
وتناول الفصل الثاني البناء اللغوي منطلق من ثلاث محاور في مقدمتها التراث في بعده الشعبي، والديني_ التاريخي بما يتضمنه من أمثال، وعادات، ومعتقدات، ورموز، وثانيها المعجم القصصي من خلال رصد مفردات الحرب، وما تحمله من دلالات الخوف، والخراب، وكذلك المفردات الرمزية التي تنطوي على المعنى ولا تصرح به، أما المحور الثالث فيتناول اللغة اليومية في مستواها المألوف والمحدث، والتي تكون قريبة من اللغة اليومية البسيطة، واللغة المحدثة التي تندرج تحتها مفردات العصر الحديث، وبذلك تصبح اللغة أداة تنظم السرد وتفتح دلالته.
وجاء الفصل الثالث مكملاً للفصلين السابقين منتقلاً من اللغة إلى أبرز عناصر البناء السردي: الأنا الساردة (الراوي) بوصفها الأداة الأبرز والأهم في بناء السرد، و الزمن والمكان، فالزمن لا يظهر بوصفه تسلسلاً تقويمياً، بل قوة بنائية تكشف وعي الشخصيات، وتحولاتها عبر آليات الاسترجاع، والاستباق، والزمن النفسي، فيما يتخذ المكان دلالته عبّر أنماطه الثلاثة: المكان الأليف، والمكان العادي، والمكان المتحول، ليكشف ما يتركه كل مكان في الوعي والأحداث، وبه يتضح تكامل الزمن، والمكان مع العناصر الأخرى في بناء القصّة، وفي انتاج نص سردي محكم.
قامت الرسالة على دراسة ما توافر من المجموعات القصصية المنشورة، وكان الاعتماد على النسخ المطبوعة، وانتقاء النصوص الأقرب لتمثيل التجربة بين السبعينيات وعام 2003.
