المستخلص
يُمثل النقد العربي الحديث قيمةً وثروةً كبيرة أغنت المكتبات العالمية، بما رفدها من نصوص نقدية إبداعية ذات مكانة استحقت الدراسة ،إذ أجاد أصحابها نظمًا وصياغًة وقراءًة، إذ يدرك المتلقي إنّ هذه النصوص النقدية؛ تعكس الواقع النقدي والرؤى والتصورات، فضلًا عن الكشف عن نفسّية صاحبها، لتقدم صورة حقيقية لجمالية الأدب العربي، التي شغلت الدارسين والنقاد. لكن السؤال الأساس الذي نريد الانطلاق منه ليس في الكشف النقدي ؛ لأن محمد خضيّرلا يمثل مشروعًا ورؤيةً في منطقة النقد،إنّما-يتمثل مشروعه الثقافي في الساحة السردية، وفي الوقت ذاته فهو مثال واضح للمثقف المتبصر في مكونات السرد والثقافة عمومًا، وهذا واضح في كتاباته المقالية التي احتوت تصوراتٍ ومواقفٍ نقدية. لكن من هو محمد خضير؟
محمد خضير كاتب عراقي بارز ليس مجرد كاتب قصة قصيرة، بل هو أيضاً صاحب مشروع نقدي متفرد يظهر من مقالاته التي يمكن وصفها بـ( النصوص النقدية الإبداعية) ، إذ يمزج بين الرؤية التحليلية واللغة الأدبية الرفيعة.
إن المخيّلة النقّدية عند محمد خضير ليست مجرد أداة لتفسير النصوص ، أو نقدها بالمعنى الأكاديمي للبحث، بل هي فعل إبداعي موازِ لكتابة السردية نفسها، ويظهر هذا في مقالاته ولاسيما في مؤلفاته مثل( أوراق بعيدة) و كتاب( العقود) و(بصرياثا).
ينطلق بحثنا إذاً من هذه المقالات التي تبنت ومثلت تصوراته، ومواقفه، وآراءه، ولذلك وضعت العنوان ( المخيّلة النقدية) في محاولة للفصل بين عمله الإبــداعي و النقدي، وهذا ما سوف تبحث عنه هذه الدراسة، إذ خصصت في مقالات محمد خضير بما تمثله من وعي نقدي، فضلًا عن المخيّلة النقدية في كتبه التي أذكر منها:(تاريخ زقاق)و (مقالات في مئوية السرد العراقي)، و(الحديقة في الصيف، مقالات في السرد)، فضلًا عن(ما يمسك وما لا يمسك)، و(رسائل من ثقب السرطان)، و(الحكاية الجديدة)، و(السرد والكتاب)، للكشف عن نوع النقد عنده، فضلًا عن تمثلات الرؤية النقدية ، ووعي الكتابة من جهة دراية المؤلف، ووعيه النقدي، وتوظيفه المصطلحات النقدية، ومحاولته اجتراح أخرى قد تكون خاصة به، وتسريباته الثقافية للقارئ التي تتخفى في نصوصه النقدية، ثم رصد ثقافة المقالة، ونعني بها المقالة النقدية، وليست المقالة الثقافية، التي قرأ بها إبداعات الآخرين في كتاباتهم، فعرضها بأسلوب حاولنا فيه التبصر بأدوات نقد النقد، بوساطة التعقيب والاستقراء وعمل حفريات معرفية للتصورات النقدية عنده.
تمثل هذه الخطوة العلمية، محط إعتزازٍ وشرفٍ لي ، إذ وضعت يدي على فكر الناقد والقاص محمد خضير، وعلى مقالاته التي توزعت على أنواع أدبية متنوعة منها: القصة القصيرة، والرواية، والمقالة، والنقد، مما حفّزنا للبحث في فكره النقدي ومحاورته شفاهيًا؛ في محاولة لاستنطاق تلك النصوص المكتظة بالرؤى والمصطلحات النقدية الحديثة، و استجوابها بتأن ورؤية علمية
وعليه وُسمت الدراسة بـ (المخيّلة النّقدية في مقالات محمد خضير) فقسّمتها على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة ؛ إذ وسم التمهيد بـ(مفهوم الخيال والتخيل والمخيلة) ليأتي في ضمن محورين، الأول وسم بـ:(التخيل النقدي والتخيل الإبداعي).
أمّا المحور الثاني فوسم بـ(المخيلة النقدية والمخيلة السردية)؛ لأنه يعدُّ تنظيرًا ومدخلًا تتبعنا فيه جذور هذه المفاهيم بالعودة إلى الفلاسفة. واتساع تلك المفاهيم، ودورها في تنضيج الرؤى عند الناقد، و خلق الصور الذهنية ، بوساطة خلق روابط بين الأشياء: لبيان الأثر الفاعل للخيال الإبداعي في إعادة إنتاج النصوص، وتطوير المدركات الذهنية.
يشكل هذا المحور بناءً تكامليًا لتطوير المخيلة النقدية التي يكون عملها تفكيك المخيلة السردية ، بوساطة طرح التساؤلات الفلسفية، وتوظيف المصطلحات النقدية بوعي إرادي لفهم الأعمال الأدبية .
أمّا الفصل الأول: فقد وسم بعنوان(المفاهيم والتصورات النقدية العامة)، إذ رصدت التوطئة الفروق بين المفاهيم النقدية، والتصورات النقدية، وعلاقتهما بالمخيلة، إذ إنَّ الأثرالفاعل لتلك المفاهيم يرتبط بالفهم بوصفهما أدوات لفهم العمل الأدبي، أمّا التصورات النقدية تمثل القدرة على تمثيل المفاهيم، وتجسيدها صورًا لفظية.
وجاء الفصل في ضمن مبحثين: فوُسم المبحث الأول بـ(المفاهيم والتصورات الثقافية) للوقوف على بيان بعض المفاهيم، والمصطلحات التي تبناها الناقد محمد خضير. أمّا المبحث الثاني، فجاء بعنوان(المفاهيم والتصورات السّردية) التي وظفها الناقد لتفكيك بنية النص السردي وعناصره في تشكيل رؤية الكاتب. ولعلّ هذه المباحث تتداخل في المقالة الواحدة، وربما في طريقة تعامله معها، إلاّ أننا آثرنا هذا التقسيم لمقتضيات المنهج.
