المستخلص
فإنَّ النبيَّ (J) منبعُ الفصاحةِ، وكلامهُ (J) وعاءٌ حَفِظَ لنا كمّاً هائلاً من اللغةِ الفصيحةِ، التي ظهرت بأساليبَ وتراكيبَ نحويةٍ لا يُدانيها نصٌّ بعدَ القرآن الكريم، فحديثه (J) المصدر الثاني من مصادر التشريع اللغوي، وإنَّ ما بين الدلالة – التي تعدُّ المنطلق الاساس لفهم المعنى- والتراكيب النحوية علاقة أخذ وعطاء، فالدلالة لها أثرٌ واضح في بيان العبارات والجمل التي نطق بها أفصح الخلق (J)، وغايتها توضيح الكلام الرّباني، وإبراز معانيه وتفسير دقائق الامور التي لم ترد مفصلةً في القرآن الكريم، وهنا تكمن اهمية اقران النحو بالدلالة في دراسة الحديث الشريف بين العلوم الاخرى. لذلك آثرتُ اختيار عنوان متعلق بأفصح كلامٍ بعد كلام الله تعالى عنوانه: (أحاديث الجنَّة والنَّار في الصحيحين- دراسة نحوية دلالية)، لما لهذه الأحاديث من مكانة مهمة في التشريع والحثّ على مكارم الأخلاق، والترغيب والترهيب، فضلاً عن ثرائها اللغوي مما جعل النحويين يتخذوها مصدراً رئيساً من مصادر الاستدلال اللغوي والنحوي، ولمَّا كان المسلمون مجمعين على صحة ما ورد في الصحيحين، فهذا مدعاةٌ الى الاطمئنان بثبوت النص الكريم عن رسول الله (J).
وكانت مادة الدراسة قائمة على الأحاديث التي وردت فيها مفردة الجنَّة أو النَّار أو ما وردَ من أسمائهما أو صفاتهما في الصحيحين او ما كان مؤداها والمراد منها دخول الجنة او النار، سواءً أكان قائلها ربُّ العزة تبارك وتعالى، ورواها لنا النبيُّ (J)، أم ما رواهُ النبي(J) من كلام الملائكة (D) أم ما نطق به النبيُّ (J)، وتوخت دراستي لغةَ الجسدِ او إشاراته (J) التي رمز بها عن الجنَّة والنَّار في بعض الأحاديث التي تتطلب ذلك؛ لتقوّية الدلالة وشد الانتباه.
وقد كانت دراستي انتقائيةً لا احصائيةً؛ لكثرة ما ورد من أحاديث الجنَّة او النَّار، أو ما يرادفهما، أو ما اشتملتا عليه من صفات في الصحيحين.
ووجدت ان النصوص الشريفة أرضٌ خصبة للدراسات النحوية، ولم تحظ بالنصيب الكافي منها، إذا ما قورنت بالدراسات النحوية المتعلقة بالقرآن الكريم و كلام العرب الفصيح شعراً ونثراً، مع ان الاحاديث الشريفة وردت فيها اساليب نحوية كثيرة، مما جعله مصدراً لاستنباط أقيسة نحوية جديدة.
وتكمن اهمية هذه الدراسة في كونها ترفد الدراسات النحوية بدراسةٍ جعلت الحديث الشريف مادةً اساسيةً لبيان التراكيب التي صدرت عن افصح من نطق بالضاد، النبي محمد (J)، فهي جاريةٌ مجرى القياس اللغوي الصحيح، وألفاظه (J) تمثلُ نقاوة اللغة، إذِ اختار النبيُّ (J) الكلماتِ والمفرداتِ من دون غيرها، لتأدية المعنى المراد، وترتبط بها الدلالة ارتباطاً وثيقاً لتؤديَ المعنى بصورة واضحة جلية، فضلاً عن كونها تراثاً دينياً ولغوياً مهماً، أسهم بشكلٍ كبير الى جانب القرآن الكريم في ارساء قواعد اللغة الفصيحة .
وبعد جمع المادة كانت المشورة بيني وبين استاذي المشرف، من اجل وضع خطة ترتكز عليها دعائم الدراسة، فتمخضت عن ولادة ثلاثة فصول، اشتملت على ثمانيةٍ وستين حديثاً مختارة بوصفها مادة الدراسة، تسبقُها مقدمة وتعقبها خاتمة، أما الفصل الأول ، فعنونته بـ: بناء الجملة الاسمية، وقد اشتمل على مبحثين، الأولُ تحدثت فيه عن صور الجملة الاسمية وما ورد فيها من تعدد صور المبتدأ والخبر، مع ما تعلق بهما من مكملات اسنادية أخرى، والثاني عنونتهُ بـ: النواسخ، اما الفصل الثاني، فيحمل عنوان : بناء الجملة الفعلية ، وقد خصصته لدراسة التراكيب الفعلية ومتعلقاتها، قسمته على مبحثين، تحدثتُ في الأول عن: الجملة الفعلية المثبتة بشقيها المبنية للمعلومِ والمبنية للمجهول، ثمَّ جاءَ المبحث الثاني ليتخصص بدراسة الجملة الفعلية المنفية، اما الفصل الثالث: الاساليب النحوية، قسمته على ثلاثة مباحث: تحدثتُ في المبحث الأول عن الأساليب الخبرية: الشرط والتوكيد، أمَّا المبحث الثاني: الاساليب الانشائية، فجاء مختصا باساليب الانشاء المتضمنة معنى الخبر، والمبحث الثالث : خصصته لدراسة تضافر الاساليب المجتمعة لإظهار الدلالة المقصودة.
