المستخلص
فقد شهدتِ الدراساتُ اللسانيّةُ الحديثةُ تحوّلًا نوعيًّا في النظرِ إلى اللغةِ، إذ لم تعد تُدرَسُ بوصفها نظامًا شكليًّا مغلقًا قائمًا على البُنى المجردة، بل غدت تُتناول بوصفها ممارسةً تواصليّةً حيّةً، تتجاوزُ حدودَ التركيبِ إلى فضاءِ الاستعمال، إذ تتداخلُ المقاصدُ والسياقاتُ والعلاقاتُ الاجتماعيّةُ في إنتاجِ المعنى، ومن هذا المنظور برزتِ اللسانيّاتُ التداوليّةُ بوصفها حقلًا علميًّا يُعنى بدراسةِ اللغةِ في سياقِها، ويكشفُ عن الآليّاتِ التي يتحقّقُ بها الفعلُ اللغويُّ في الواقع.
ومن الجديرِ بالذكرِ أنَّ هذه الدراسةَ انصرفت إلى تحليلِ الخطابِ القانونيِّ المكتوب دون الشفهيّ؛ لِما يتمتّعُ بهِ النصُّ المكتوبُ من دقّةٍ وثباتٍ يُعينانِ على التحليلِ والتتبّعِ، فضلًا عن كونِهِ أكثرَ قدرةً على تمثيلِ البُنى التداوليّةِ تمثيلًا واضحًا يمكنُ الاحتكامُ إليهِ علميًّا.
ولمّا كانت هذه الدراسةُ موسومةً بلفظِ (مقاربة)، فإنّها لا تدّعي الإحاطةَ المطلقةَ أو الوصولَ إلى نتائجَ نهائيّةٍ مغلقة، وإنّما تسعى إلى تقديمِ قراءةٍ تداوليّةٍ ممكنةٍ للخطابِ القانونيّ في محاكمِ محافظةِ ديالى، في ضوءِ ما تتيحهُ أدواتُ التحليلِ اللسانيّ وإجراءاته.
وتُشيرُ الباحثةُ إلى أنَّ اختلافَ بعضِ المصطلحاتِ التداوليّةِ العربيّةِ يعودُ في جانبٍ منه إلى تعدّدِ الترجماتِ للمصطلحِ الأجنبيّ الواحد؛ لذا اعتمدت الدراسةُ على بعضَ المصطلحاتِ التي رأت الباحثةُ أنّها الأقربُ إلى طبيعةِ البحثِ وإجراءاته، مع الإشارةِ إلى المصطلحاتِ الأخرى بين قوسين عند الحاجة.
سبب اختيار الموضوع:
يُعدُّ الخطابُ القانوني من أبرزِ ميادينِ الاشتغالِ التداولي؛ إذ لا يقتصرُ على نقلِ المعنى، بل ينهضُ بوظائفَ إنجازيّةٍ مباشرةٍ، تُسهمُ في تنظيمِ العلاقاتِ، وتحديدِ الحقوقِ والواجباتِ، وإصدارِ الأحكامِ، وتوجيهِ السلوكِ. وتتجلّى هذه الوظائفُ بأوضحِ صورِها في الخطابِ المتداولِ المكتوب داخلَ المحاكم، إذ تتفاعلُ أطرافٌ متعدّدةٌ ضمنَ سياقٍ مؤسّساتي مضبوطٍ، لكلٍّ منها دورٌ محدّدٌ، ومقصدٌ خاصٌّ، يسعى إلى تحقيقهِ من خلال أدواتٍ لغويّةٍ تتسمُ بالدقّةِ والتكثيفِ والوظيفيّة.
وفي هذا الإطار، يمثّلُ الخطابُ القانوني في محاكمِ محافظةِ ديالى مثالًا حيًّا لخطابٍ تتقاطعُ فيه الأبعادُ اللغويّةُ والقانونيّةُ والاجتماعيّةُ، بما يتيحهُ من مادّةٍ غنيّةٍ للكشفِ عن آليّاتِ إنتاجِ المعنى، وطرق التأثيرِ والإقناع. ومع ذلك، فإنَّ الخطابَ في المحاكم العراقية – على الرغمِ من أهميّتِهِ – لم يحظَ بما يستحقّهُ من دراسةٍ لسانيّةٍ تداوليّةٍ متخصّصة، إذ انصرفتِ الجهودُ البحثيّةُ في الغالب إلى الجوانب القانونيّة والإجرائيّةِ، مع إغفالِ البُعدِ اللغويّ بوصفهِ عنصرًا حاسمًا في بناءِ الدلالةِ وتوجيهِها.
ومن هنا تتحدّدُ إشكاليّة البحث في محاولةِ الكشفِ عن طبيعةِ البنيةِ التداوليّةِ التي يقومُ عليها الخطابُ القانوني داخلَ المحاكم، وكيفيّة توظيفِ الوسائلِ اللغويّةِ لتحقيقِ المقاصدِ الإجرائيّةِ والإقناعيّةِ، وذلك من خلال الإجابةِ عن السؤالِ المركزيّ الآتي:
ما مدى فاعليّةِ المقاربةِ التداوليّةِ في تحليلِ الخطابِ القانونيِّ والكشفِ عن أبعادهِ التواصليّةِ والحجاجيّةِ داخلَ محاكمِ محافظةِ ديالى؟
ويتفرّعُ عن هذا السؤالِ جملةٌ من التساؤلاتِ الفرعيّة، من أبرزِها:
- كيف تتجلّى الأفعالُ الكلاميّةُ في الخطابِ القانونيِّ داخلَ محاكمِ محافظةِ ديالى؟ وما طبيعةُ توزّعِها ووظائفِها التداوليّةِ بين القاضي والمدّعي العامّ والمحامي؟
- ما الاثرُ الذي تؤدّيه الإشاريّاتُ ومتضمّناتُ القولِ والاستلزامُ الحواريُّ في بناءِ المعنى القانونيِّ وربطِ الخطابِ بسياقِه المقاميِّ والإجرائيِّ؟
- كيف تُسهمُ المتضمّناتُ التداوليّةُ والمعاني الضمنيّةُ في بناءِ الحججِ القانونيّةِ وتحقيقِ أغراضِ التأثيرِ والإقناعِ داخلَ الخطابِ القضائيّ؟
- كيف تتجلّى الآليّاتُ الحجاجيّةُ في الخطابِ القانونيِّ؟ وما أثرُ السُّلَّمِ الحجاجيِّ والعواملِ الحجاجيّةِ ومبادئِ التعاونِ في توجيهِ المتلقّي نحوَ نتائجَ قانونيّةٍ محدّدة؟
- ما أثرُ الطبيعةِ المؤسّسيّةِ والسياقِ التداوليِّ في تشكيلِ الخطابِ القانونيِّ وتحديدِ خصائصِه اللغويّةِ وتمييزِه عن الخطابات الأخرى؟
- إلى أيِّ مدى يمكنُ الإفادةُ من المناهجِ التداوليّةِ الحديثةِ في دراسةِ الخطابِ القضائيِّ والكشفِ عن آليّاتِ اشتغالِه اللغويِّ والقانونيّ؟
ويهدفُ هذا البحثُ إلى تحقيقِ جملةٍ من الأهداف، من أهمّها:
- الكشفُ عن البنيةِ التداوليّةِ للخطابِ القانونيّ في سياقِه الواقعيّ.
- تحليلُ الأفعالِ الكلاميّةِ بوصفها أدواتٍ لإنجازِ المعنى القانونيّ.
- بيانُ أثرِ الإشاريّاتِ ومتضمّناتِ القولِ والاستلزامِ الحواريّ في ضبطِ الدلالةِ وتوجيهِها.
- إبرازُ الآليّاتِ الحِجاجيّةِ التي يقومُ عليها الخطابُ القضائيّ، والكشفُ عن طرق الإقناعِ فيه.
وقد اقتضت طبيعةُ الدراسةِ أتباع المنهجِ التداولي التطبيقي إطارًا نظريًّا وإجرائيًّا، لِما يتيحهُ من أدواتٍ قادرةٍ على وصف اللغةِ وتحليلها في سياقِ استعمالِها، الذي يسهمُ في تفكيكِ البُنى الخطابيّةِ واستجلاءِ وظائفِها.
وقد شملتِ الدراسةُ أمثلة متنوّعةً من الخطاباتِ القانونيّةِ الصادرةِ عن محاكمَ وجهاتٍ قضائيّةٍ مختلفة، من بينها: (محاكمُ الجناياتِ، والجنحِ، والبداءة، والاستئنافِ، والأحوالِ الشخصيّةِ، والتمييزِ، ولجنةُ تطبيق العفو، ومقر الادعاء العام، وغيرها..)، في عددٍ من مناطقِ محافظةِ ديالى، مثل: بعقوبة، وبني سعد، وكنعان، ودار السلام، والخالص، وغيرها، وتقتصر الدراسة على المناطق التي أبدت محاكمها تعاوناً ملموساً في تزويدنا بالمستندات، وأستثنيت المناطق الأخرى. وذلك ضمنَ المدّةِ الممتدّةِ من سنةِ 2020م إلى سنةِ 2025م.
وقد اعتمدتِ الدراسةُ في مادّتِها التطبيقيّةِ على ثلاثةِ أنواعٍ من الخطاباتِ القانونيّة، تمثّلت بـ: قراراتِ القضاةِ (36 قرار)، ومطالعاتِ المدّعي العام(20 مطالعة)، ولوائحِ وطلباتِ المحامين(34 طلب ولائحة).
وذلك بوصفِها تمثّلُ الأطرافَ الأكثرَ فاعليّةً داخلَ المؤسّسةِ القضائيّة، والأقدرَ على تجسيدِ التفاعلِ التداولي في الخطابِ القانوني.
ومن أجلِ الحفاظِ على الخصوصيّةِ القانونيّةِ وسلامةِ الأطرافِ المعنيّة، آثرتِ الباحثةُ حذفَ الأعدادِ الأصليّةِ والأسماء لبعضِ القراراتِ والمطالعاتِ واللوائحِ القانونيّةِ الواردةِ في متنِ الدراسة، واستبدالها بترقيم تسلسي يبدأ من (1)، مع المحافظة على البنية النصيّة والمضمون القانوني للنصوص محل الدراسة.
وانطلاقًا من ذلك، جاءَ هذا البحثُ موسومًا بـ: (الخطابُ القانونيّ في محاكمِ محافظةِ ديالى: مقاربةٌ تداوليّة)، وهو عنوانٌ يعكسُ طبيعةَ التداخلِ بين الحقلِ اللسانيّ والحقلِ القانونيّ، ويؤكّدُ توجّهَ الدراسةِ نحو تحليلِ الخطابِ في ضوءِ سياقاتِه الفعليّة.
أما خطة البحث: قد انتظمتِ الدراسةُ في تمهيدٍ وثلاثةِ فصولٍ، فضلاً عن خاتمةٍ، وذلك على النحوِ الآتي:
التمهيد: خُصِّص لعرضِ المفاهيمِ الأساسية التي يقومُ عليها البحث، وفي مقدّمتها الخطابُ القانونيّ، والتداوليّةُ، وأهمُّ مصطلحاتِها الإجرائيّة.
الفصلُ الأوّل: عُنيَ بدراسةِ الأفعالِ الكلاميّةِ، من حيثُ تأصيلُها النظريّ، وأنواعُها، وتحليلُ تجلّياتِها في الخطابِ القانوني داخلَ المحاكم، بوصفِها أدواتٍ لإنجازِ الأفعالِ القضائيّةِ كالالتزامِ، والتوجيهِ، والإعلان.
