المستخلص
فقدْ عُنيَ العلماءُ قديمًا وحديثًا بالدّراساتِ القرآنيّةِ؛ وذلكَ لِمَا لها من أهميةٍ في خدمةِ كتابِ اللهِ تعالى، فإنَّ شرفَ كلّ دراسةٍ إنَّما هو تبعٌ لموضوعها، وكفى بكتابِ اللهِ تعالى شرفاً أنْ تتعلّقَ به القلوبُ والعقولُ، وتتشرَّفَ به الدراساتُ والبحوثُ. ومن جملةِ تلك الدراسات التي شغلت الدارسين، الفاصلةُ القرآنيّة؛ لِما لها من أثرٍ صوتيٍّ بارزٍ في الخطابِ القُرآنيّ، والتي تُشكِّل فيه مَظهرًا من مظاهر الإعجاز، وسرًّا من أسرارِ التّعبير.
والفاصلةُ القرآنيّةُ ليستْ علامةَ وقفٍ أو إيذانًا بانتهاءِ الآيةِ فحسب، بل هي نسيجٌ متكاملٌ وبناءٌ محكمٌ. وقد استرعتِ الفاصلةُ القرآنيّة عنايةَ علماءِ العربيَّة ونقَّادها وبلاغيِّيها؛ لِما لها من أثرٍ بالغٍ في إيقاعِ النصِّ القرآنيّ، وتماسك تراكيبه، وانسجامها مع السياق الذي وردتْ فيه. أمَّا عن سببِ اختياري العنوان، فقدْ جاءَ بناءً على اقتراحِ أ.د إياد عبد الودود الحمداني، الذي أبدى مشكوراً عِنايتَه بتحديدِ موضوعِ الدّراسةِ بما ينسجمُ مع ميولي العلميّة ومتطلباتِ البحثِ العلميّ، فجزاهُ اللهُ عنّي خيرَ الجزاءِ. وبذلكَ جاءتْ رسالتي موسومة بـ: (الفاصلةُ القرآنيّة في الدّراساتِ النقديّةِ والبلاغيّةِ عندَ العربِ).
وقد اقتضتْ طبيعةُ الدّراسة أنْ نقسّمَها على تمهيدٍ وثلاثةِ فصولٍ وخاتمةٍ.
أمّا التمهيدُ، فقدْ جاءَ بعنوان: (مصطلح الفاصلة -الحدود والتأصيل-). لبيانِ خصوصيةِ إطلاقِ مصطلحِ الفاصلةِ على النصِّ القرآني وتمييزه عن تسميةِ السّجع الموضوعةِ للنثرِ، والقافية التي اختصّ بها نظم الشّعر. ووُسِمَ الفصلُ الأوّل بعنوان: (الفاصلة القرآنية بوصفها ظاهرة تركيبية)، إذ تضمن مبحثين: الأول درستُ فيه الحذف والزيادة، والثاني درستُ فيه التقديم والتأخير.
أمّا الفصل الثاني، فكان عنوانه: (الفاصلة القرآنية بوصفها ظاهرة دلالية)، إذ قسّمته على ثلاثة مباحث: الأول بعنوان: الاستغناء ببعض الصيغ أو الإيثار، والثاني: الإحلال أو الحمل على المعنى، والثالث: التناسب.
ثم يجيء الفصل الثالث وقد حمل عنوان: (الفاصلة القرآنية بوصفها ظاهرة صوتية)، وجاء في ثلاثة مباحث: الأوّل: مبنى الفواصل على الوقف، والثاني: الإيقاع، والثالث: اختيار القراءةِ المناسبةِ للفواصلِ القرآنيّة، ومن نافلة القول أنْ نبيّنَ أنَّ منهجَ الدراسة قائم على بحث الفاصلة في دراساتِ النّقاد والبلاغيّين قديمهم وحديثهم، إذ لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ تلكَ الدراسات كانت قد ارتبطت باللغة وقوانينها والنحو الوظيفي بوصفها آراء صادرة عن علماء جمعوا بين علوم العربية في ثقافة موسوعية شمولية ذات خصائص واضحة متميزة في دراسة الفاصلة على مستويات عدّة منها التركيب، أو الدلالة، أو الصوت، فشكّلت تلك الدراسات ملحوظات مهمة في سياق دراسة الفاصلة من وجهتين متعالقتين: نقديّة وبلاغيّة، مثلتها آراؤهم المتناثرة في تصانيفهم المتنوعة في النّقد، والبلاغة، وعلوم القرآن، والإعجاز، واللغة، والنحو، والصوت، والدّلالة. ويأتي مسك الختام مع خاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، ثم يأتي سردٌ بقائمةِ المصادرِ والمراجعِ، التي كان من أهمّها كتاب البُرهان في علوم القرآن للزركشيّ، والاتقان في علوم القرآن للسيوطيّ، والمؤلفات التي حملت عنوان “الفاصلة” من كتب المُحدثين مثل: الفاصلة في القرآن لمحمد الحسناوي، وفواصل الآيات القرآنية لكمال الدين عبد الغنيّ المرسي، ودراسة بلاغية في السجع والفاصلة القرآنية لعبد الجواد محمد طبق، وغيرها.
أمّا المنهج الذي اعتمدته في دراستي، فهو يتراوح بين الوصف والتحليل، برصد لأهمّ الآراء النقديّة والبلاغيّة المُهمّة للعلماءِ القدماءِ والمُحدثين في قضية الفاصلة وأثرها البارز في السياق القرآنيّ، ولعلّي أكونُ قد رفدتُ المكتبةَ بدراسةٍ تنتمي إلى ما يسمّى اليوم بـ (نقد النّقد). ولما تعدّدتِ الدراسات الحديثة في اعتماد بعضها على آراءِ بعض، فقد اقتضتْ طبيعةُ الدراسةِ أنْ يكونَ التركيزُ على بعضِ مؤلفاتِ القدماءِ ومراجع مختارة للمُحدثين.
ومن الجدير بالذِّكر أَنِّي لم أطَّلع على دراسة مماثلة لدراستي هذه في سياق نقد النقد التي تعتمد النظر الفاحص لرؤية العلماء من النقّاد والبلاغيين للفاصلة القرآنية في مستوياتها الصوتية، والدلالية، والتركيبية.
ولا يسعني في هذا المقامِ إلا أنْ أتوجهَ بالشكرِ والتقديرِ إلى أستاذي المشرف (أ.م.د باسم محمد إبراهيم)، الذي لولا توجيهاته السديدة، ودعمه المتواصل لما كان لهذا العمل أن يرى النور، فأشكره على صبرهِ وسعةِ صدرهِ وتفانيه، كذلك أتقدّمُ بعظيمِ الشكرِ والتقديرِ إلى (أ.د فاضل عبود التميميّ)، و(أ.د إياد الحمدانيّ)، اللذين كان لهما فضلٌ كبيرٌ في تبصيري بمعالمِ الرسالةِ وتوجيهي نحو الخُطّةِ المُثلى لإنجازها، فقد كانت رؤيتهما الواضحة، ونصائحهما القيّمة، بمنزلةِ الخريطة التي استرشدتُ بها في رسمِ خطّة هذا البحث، والشكرُ موصولٌ أيضًا إلى (أ.د علاء حسين البدرانيّ)، الّذي أرفدني ببعض مصادر الدراسة فجزاهُ الله عنّي خيرَ الجزاءِ.. وفي الختام، وبعد طولِ جهدٍ ومثابرة، أسألُ اللهَ أنْ يكونَ هذا العملُ إضافةً إلى حقلِ المعرفةِ الذي ينتمي إليه، وأنْ يفتحَ آفاقاً جديدةً لدراساتٍ وأبحاثٍ مستقبلية. وما كان في هذا العملِ من فضلٍ وتوفيقٍ فمنَ الله وحده، وما كان فيه من تقصيرٍ
