المستخلص
وأصبحت اللسانيات الاجتماعية محورًا مهمًا في دراسة اللغة والخطاب، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بخطاب المرأة في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يعد مصدرًا رئيسًا للفهم والدراسة في مجال اللسانيات الاجتماعية، إذ وفر نماذج وأمثلة تتعلق بخطاب المرأة، وفي هذه الدراسة، سنستعرض أهمية اللسانيات الاجتماعية في خطاب المرأة في القرآن الكريم، مركزين على أهمية اللغة وكيفية تأثيرها في تشكيل الخطاب.
ومن المعلوم أن اللسانيات الاجتماعية تنظر إلى كيفية تأثير اللغة في المجتمع والعلاقات الاجتماعية وتوضح الأبعاد الاجتماعية للخطاب اللغوي وكيفية تأثيرها في الثقافة والهوية والقيم المجتمعية، وعند النظر إلى خطاب المرأة في القرآن الكريم، يصبح من الضروري استكشاف اللسانيات الاجتماعية من أجل فهم كيفية تشكيل خطاب المرأة وكيف تأثر بالعوامل الاجتماعية والثقافية، ويتم ذلك كله عن طريق بيان أهمية اللغة العربية وأثرها في تشكيل خطاب المرأة في القرآن الكريم، لما لها من أثرٍ كبير في قوة المعاني ووضوح التعبير عن الأفكار والمشاعر.
وعند النظر إلى خطاب المرأة في القرآن الكريم، نجد أن اللغة العربية تستعمل أساليبَ مبهرًة للتأثير في المجتمع وتوجيه رسالته سواء أكانت صادرًة عن المرأة أم إليها أم متعلق بها، ويعكس خطاب المرأة في القرآن الكريم القيم الاجتماعية والثقافية للمجتمع في المدة التي حدث فيها الخطاب، ويمكننا أن نفهم كثيرًا من الجوانب الاجتماعية عن طريق تحليل خطاب المرأة في القرآن الكريم وكيف استعملت الألفاظ والتراكيب في سياق وأسلوب محددين لنقل هذه القيم والمعتقدات.
ونجد في القرآن الكريم نماذج وأمثلة واضحة للدراسة في مجال اللسانيات الاجتماعية، فنجد أن في الخطاب قيمة دلالية، وهدفًا بلاغيًا، تتداخل فيه شروط لغوية وأخرى معرفية لصياغة الخطاب الذي تكتسب فيه الوحدات اللغوية قيمتها الاجتماعية الملموسة، ونتطلع في هذه الدراسة إلى أن ننظر في خطاب المرأة على أن يكون مقتصرًا على ما جاء في القرآن الكريم، موجهًا إلى المرأة أو متحدثًا عنها بمعنى من معاني التخاطب، ويمكن لهذه الدراسة أن تسهم في فهم أعمق لتأثير اللغة والثقافة في خطاب المرأة وأثرها في المجتمع.
أما أسباب اختيار الموضوع فمن الممكن القول إن من أهمها قلة الدراسات التطبيقية في ميدان اللسانيات الاجتماعية، ولا سيما في اختيار خطاب قرآني له علاقة بالواقع الاجتماعي على مر العصور ألا وهو خطاب المرأة في القرآن الكريم، لكون هذا الميدان لا يزال بأمس الحاجة إلى مزيد من الجهود والعناية وعمل دراسة تطبيقية في ضوء اللسانيات الاجتماعية.
وتكمن أهمية الدراسة في كون اللسانيات الاجتماعية مجالًا مهمًا في الدراسات اللغوية إذ تركز في العلاقة بين اللغة والمجتمع ومدى تأثير العوامل الاجتماعية على استعمال اللغة وتفاعلها، وتعد دراسة اللسانيات الاجتماعية ذات أهمية كبيرة، لكونها تقدم أنموذجًا تطبيقيًا يمكن أن نلمس من خلاله آثار الواقع الاجتماعي الذي حصل فيه الخطاب، وتقدم الدراسة وصفًا ضبطت فيه عملية الفهم في دراسة قضايا المرأة في الخطاب القرآني، وبيان حضورها الاجتماعي ومواقفها بكل زمان ومكان، محددًا خصائص خطاب المرأة بمستوياته الاجتماعية المختلفة.
ومن أهداف هذه الدراسة الوقوف على الخصائص الاجتماعية الواردة في خطاب المرأة في القرآن الكريم، المتعلقة بالبعد اللغوي من حيث الألفاظ والتراكيب، أو من حيث السياق والأسلوب اللغوي، وتحديد البعد الاجتماعي الذي حصل فيه الخطاب.
وقد اقتضت الدراسة أن ترتكز خطتها على تمهيد وأربعة فصول تسبقها مقدمة وتعقبها خاتمة، أما التمهيد فقد خصصته لدراسة المصطلحات المتعلقة بخطاب المرأة واللسانيات الاجتماعية، أما الفصل الأول فقد عنونته بـ (الألفاظ الاجتماعية في الخطاب القرآني للمرأة) قسمته على مبحثين، الأول وسمته بـ (العوامل الاجتماعية المؤثرة في تحديد الألفاظ) بينت فيه أثر هذه الألفاظ في الدراسة، والآخر عنونته بـ (أثر الألفاظ في الخطاب القرآني للمرأة) وهو بمنزلة تحليل للألفاظ التي اختصت بخطاب المرأة في القرآن الكريم، وفق المنظور الاجتماعي، وأما الفصل الثاني فقد عنونته بـ (التراكيب اللغوية في الخطاب القرآني للمرأة) قسمته على مبحثين أيضًا الأول سميته (علم التركيب والجملة في خطاب المرأة الاجتماعي)، ومثل دراسة لنظام بناء الجملة في الخطاب القرآني للمرأة، والآخر عنونته بـ (تحليل التراكيب في خطاب المرأة) بينت فيه الاتجاهات الرئيسة لتحليل التراكيب في الخطاب، أما الفصل الثالث فقد خصصته لدراسة (السياق وأثرهُ في خطاب المرأة)، انقسم هو الآخر على مبحثين أيضًا، جاء الأول بعنوان (السياق التعريف والمفهوم) درست فيه تعريف السياق ومفهومه في الدراستين العربية والغربية، وعنونت الثاني بـ (السياق اللغوي الإطار الداخلي للغة) اختص بالحديث عن السياق اللغوي وعرضت فيه تحليلًا للسياقات اللغوية في خطاب المرأة، وأما خاتمة الفصول فكان الفصل الرابع وقد عنونته بـ (أثر الأساليب النحوية القرآنية في خطاب المرأة)، وفيه مبحثان الأول عنونته بـ (الأسلوب مفهومه وتطبيقاته) وقفت فيه على تعريفه وأهميته في الدراسة، والآخر عنونته بـ (الأساليب اللغوية في اللسانيات الاجتماعية) عرضت فيه الأساليب اللغوية المتعلقة بدراسة الأسلوب وأثرها في الخطاب، ثم ختمت الدراسة بخاتمة بينت فيها أبرز النتائج التي توصلت إليها.
ثم طرزت الدراسة بثبت للمصادر والمراجع وهي كثيرة متنوعة، اشتملت على قسم من كتب النحو القديمة كالكتاب لسيبويه، والمقتضب للمبرد، وشرح ابن عقيل، وغيرها، وقد رجعت إلى عدد من تفاسير القرآن الكريم كالجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، والتحرير والتنوير لابن عاشور، وغيرها، فضلًا عن أنني رجعت إلى أشهر معاجم اللغة كالمقاييس لأحمد بن فارس، ولسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، وغيرها، ورجعت إلى ِمصادر الخطاب الحديثة كاستراتيجية الخطاب للشهري، والخطاب الشرعي وطرق استثماره لإدريس حمّادي، والخطاب وخصائص اللغة لأحمد المتوكل، وقد رجعت إلى كتب اللسانيات العربية الحديثة كاللسانيات الاجتماعية عند العرب للدكتور هادي نهر، واللسانيات النشأة والتطور للدكتور أحمد مؤمن، واللسانيات وأسسها المعرفية للدكتور عبد السلام المسّدي، وغيرها، فضلًا عن ذلك فقد رجعت إلى كثير من المصادر الغربية المترجمة كالتداولية من أوستن إلى غوفمان لفيليب بلانشيه، تر: صابر حباشة، وتطور علم اللغة منذ 1970 لجيرهارد هلبش، تر: سعيد حسن بحيري، وحفريات المعرفة لميشال فوكو، تر: سالم يفوت، فضلًا عن رجوعي إلى عدد من الرسائل والأطاريح الجامعية كالقصدية في قصص القرآن الكريم (أطروحة) للباحث صادق بريسم كيطان وخطاب المرأة في القرآن الكريم (دراسة تداولية)،(أطروحة) للباحث يحيى أحمد عبد الله، فضلًا عن رجوعي إلى كثير من البحوث المتعلقة باللسانيات كـالتركيب وأهميته اللسانية بين القدماء والمحدثين، أ.د عبد القادر سلامي ، والكلمة القرآنية وعلماء البيان، الدكتور: فضل عباس، وغيرها من المصادر الأخرى التي ازدانت بها إحالات الدراسة
