You are currently viewing أطروحة دكتوراه افهام احمد /   أناتولي دوبرينين وأثره الدبلوماسي في    الولايات المتحدة الأميركية (1919-1986م)

أطروحة دكتوراه افهام احمد /   أناتولي دوبرينين وأثره الدبلوماسي في    الولايات المتحدة الأميركية (1919-1986م)

المستخلص

        تعدّ دراسة الشخصيات من الموضوعات المهمّة في دراسة التاريخ، لاسيما التاريخ الحديث والمعاصر، كونها تلقي بظلالها على مراحل مهمّة من تاريخ أحداث عاصرتها تلك الشخصيات التي تركت أثراً كبيراً لا يمكن إغفاله، لاسيما وأنّ موضوع الدراسة يستهدف شخصية دبلوماسية كان لها دور بارز في حقبة زمنية مهمّة من تاريخ العلاقات السوفيتية الأميركية، وهي حقبة الحرب الباردة.

        تمثّل الدبلوماسية أهم أدوات العلاقات الدولية، والركيزة الأساسية في النّظام الدولي المعاصر، وتتطلّب أشخاصاً موهوبين، مسلّحين بالخبرة، قادرين على ضمان المصالح الوطنية للدولة بمهارة وذكاء، ولاشكّ أنّ تلك الصفات قد تجسّدت في شخصية أناتولي دوبرينين الذي يعدّ من أبرز الدبلوماسيين السوفيت، وأكثرهم خدمة في السلك الدبلوماسي، حتّى لقّب بـ ( شيخ الدبلوماسيين )، إذ كانت مدّة خدمته سفيراً في واشنطن أربعةً وعشرين عاماً (1962-1986) ، وشهدت تلك المدّة أحداثاً وأزمات خطيرة، عاصر فيها خمسة رؤساء سوفيت وستة أميركيين، أدّى فيها دوبرينين دوراً مهماً في التخفيف من حدّة تلك الازمات من خلال عمله الدبلوماسي، كما استطاع أن يكوّن علاقات واسعة في الولايات المتحدة الأميركية مع مسؤولين داخل الإدارة الأميركية وخارجها، وأعضاء في الكونغرس، ورجال أعمال ، وحظي باحترام الإدارات الأميركية المتعاقبة وثقتها، فهو لم يكن مجرّد سفير يمثّل بلاده في الخارج، وإنّما كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، ممّا أكسبه قوّةً في تعامله مع المسؤولين الأميركيين.

        حدّد الإطار الزمني للدراسة بالمدّة من عام 1919 الذي اقترن بولادة أناتولي دوبرينين، إلى عام 1986 الذي تزامن مع انتهاء مهمّته سفيراً في الولايات المتحدة الأميركية وعودته إلى الاتحاد السوفيتي.

        هدفت الدراسة إلى سبر أغوار الأحداث التي مرّت بها الشخصية، وأسهمت في صنعها، وذلك من خلال الإجابة عن عدد من الأسئلة في ثناياها:

  • كيف تغيّر عمل دوبرينين من مهندس للطيران إلى دبلوماسي، وهل كان راغباً في ذلك ؟
  • هل كان لعمله في وزارة الخارجية، وتدرّجه في المناصب أثر في اكتساب الخبرات ؟
  • لماذا اختار خروشوف  دوبرينين ليكون سفيراً في الولايات المتحدة الأميركية؟
  • كيف أثّر إخفاء بعض المعلومات على دوبرينين من قبل الحكومة السوفيتية على عمله الدبلوماسي ؟
  • هل كان دوبرينين مقتنعاً بأفعال حكومته ومؤيداً لها ؟
  • كيف أسهمت القناة السرية التي أدارها دوبرينين مع الإدارة الأميركية في تطوّر العلاقات السوفيتية الأميركية ؟
  • ماهي مواقفه من تدخل الاتحاد السوفيتي في البلدان الأخرى لاسيما في فيتنام وافريقيا وأفغانستان ؟

اعتمدت الدراسة المنهج التاريخي الوصفي ذا الرؤية التحليلية ، انسجاماً مع طبيعة الموضوع وأهدافه، مع الإشارة إلى أنّ توزيع المادّة العلمية على فصول الدراسة لم يكن متوازناً، نتيجةً لاختلاف طبيعة الأحداث والموضوعات التي تناولها كل فصل، لاسيما في الفصل الأول الذي تناول سيرة دوبرينين وحياته، بسبب قلّة المصادر والمعلومات المتوافرة عنه.

وانطلاقاً ممّا سبق، تطلّب إعداد الدراسة توزيعها على مقدّمة، وأربعة فصول، وخاتمة، فضلاً عن الملاحق، وقائمة المصادر، إذ جاء الفصل الأول بعنوان ” أناتولي دوبرينين: نشأته وبواكير نشاطه الدبلوماسي (1919 – 1962)“، بوصفه مدخلاً تمهيدياً للدراسة، الذي قسّم إلى ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأول ولادته ونشأته ومسيرته التعليمية وبدايات عمله في الحقل الدبلوماسي ثم دخوله المدرسة الدبلوماسية، في حين استعرض المبحث الثاني نشاطه وعمله داخل وزارة الخارجية، أمّا المبحث الثالث فقد تطرّق إلى بدايات نشاطه الدبلوماسي في الولايات المتحدة الأميركية من خلال العمل في الأمم المتحدة، ثم رئيساً للدائرة الأميركية في وزارة الخارجية، وحضوره قمّتي باريس 1960، وفيينا 1961، وصولاً إلى اختياره سفيراً في الولايات المتحدة الأميركية.

أمّا الفصل الثاني فقد بحث “مسار العمل الدبلوماسي لأناتولي دوبرينين (1962 – 1968)“، وتضمّن أربعة مباحث، عالج المبحث الأول نشاط دوبرينين الدبلوماسي في واشنطن خلال العام 1962، متناولاً موقفه من أزمة برلين، ودوره في استعادة القناة السرية، فضلاً عن أثر أزمة الصواريخ في كوبا 1962 على عمله الدبلوماسي، متتبعاً بدايات الأزمة، وتعامل دوبرينين معها، ونتائجها على عمله الدبلوماسي، بينما خُصِّصَ المبحث الثاني لدراسة موقف دوبرينين من قضايا العام 1963 وأحداثه، وعلى رأسها دوره في التوصّل إلى اتفاق حظر التجارب النووية، ولقاؤه الأخير بالرئيس كنيدي، ثم موقفه من اغتياله، في حين ركّز المبحث الثالث على نشاطه الدبلوماسي خلال عهد الرئيس جونسون (1964-1967)، متطرّقاً إلى دوره في التمهيد الدبلوماسي للعلاقات السوفيتية الأميركية في عهد الرئيس جونسون، فضلاً عن موقفه من التطورات السياسية الداخلية في الاتحاد السوفيتي خلال المدّة (1964 – 1967)، ولاسيما انقلاب عام 1964، وتأثيرات قضية فيتنام على عمله الدبلوماسي، وموقفه من حرب الأيام الستة عام 1967، واستعرض المبحث الرابع تعامل دوبرينين الدبلوماسي مع قضايا العام 1968 وأحداثه، لاسيما تعامله مع قضية الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية لعام 1968، وموقفه من طلب الإدارة الأميركية عقد قمّة في العام نفسه، فضلاً عن موقفه من غزو الاتحاد السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968، ثمّ تقييمه لرئاسة جونسون.

وسلّط الفصل الثالث الضوء على “تطوّر العمل الدبلوماسي لدوبرينين خلال المدّة (1969 – 1977)“، كاشفاً عن أدواره المتعدّدة من خلال ثلاثة مباحث رئيسة: تناول المبحث الأول اللقاءات والمناقشات السرية التي أجراها دوبرينين مع الرئيس نيكسون وكيسنجر، بدءاً من اللقاء بالرئيس نيكسون وإعادة فتح القناة السرية، مروراً بإدارة تلك القناة بين دوبرينين وكيسنجر، وانتهاءً بالمناقشات الخاصّة بعقد القمة، والتحضيرات لقمة موسكو عام 1972، وخُصِّصَ المبحث الثاني لدراسة تطور العلاقة بين دوبرينين وكيسنجر من خلال عقد قمَّتَي 1973 و 1974، متضمناً قمة العام 1973 والمشكلات التي واجهتها، ثم دور دوبرينين في قمة واشنطن 1973 وانطباعاته عنها، فضلاً عن دوره في مجريات قمة موسكو 1974، أمّا المبحث الثالث فقد ركّز على نشاط دوبرينين الدبلوماسي خلال مدة حكم جيرالد فورد (1974 – 1977) مسلّطاً الضوء على علاقاته مع إدارة الرئيس فورد ونشاطه الدبلوماسي، وقمة فلاديفوستك 1974، وتعاطيه مع قضايا الاستخبارات، وموقفه من تدهور العلاقات السوفيتية الأميركية.

وبحث الفصل الرابع “دور دوبرينين الدبلوماسي خلال المدّة الممتدّة بين عامَي (1977 – 1986)“، واشتمل على أربعة مباحث: ركز الأول على نشاط دوبرينين الدبلوماسي (1977 – 1981)، متضمناً لقاءاته مع مسؤولي إدارة الرئيس كارتر خلال تلك المدة، وتعامله مع إدارة الرئيس كارتر المتناقضة، وخصص المبحث الثاني لدراسة تعامل دوبرينين مع المشكلات الدولية ومؤتمر قمة فيينا 1979، متضمنا موقفه من الصراع في القرن الأفريقي، ودوره في عقد قمة فيينا 1979، ونشاطه الدبلوماسي مع المشكلات الدولية خلال العام 1979، لاسيما موقفه من أزمة اللواء السوفيتي في كوبا، والغزو السوفيتي لأفغانستان، ووقف المبحث الثالث عند النشاط الدبلوماسي لدوبرينين خلال المدّة 1981 – 1982، والمتضمن تعامله مع توجّهات إدارة الرئيس ريغان، وموقفه من تغيّر القيادة السوفيتية، فضلاً عن تكريمه، أمّا المبحث الرابع فقد تناول نشاط دوبرينين الدبلوماسي وبدايات التحول في العلاقات السوفيتية الأميركية خلال المدّة 1983 – 1986، مسلطاً الضوء على اللقاء بالرئيس ريغان، وموقف دوبرينين من حادثة إسقاط الطائرة الكورية، ولقاءاته مع المسؤولين الأميركيين في عهد ريغان، ودوره في التحضير لقمة جنيف 1985، كما تطرّق المبحث إلى عودته لاحقاً إلى موسكو ومغادرته منصب السفير، وما أعقب ذلك من بروز مدرسة دبلوماسية حملت اسمه، عُرفت بمدرسة دوبرينين الدبلوماسية.

استمدّت الدراسة مادتها من مصادر متنوعة يأتي في مقدّمتها  الوثائق المنشورة ، لاسيما وثائق وزارة الخارجية الاميركية The Foreign Relation of The United State (F.R.U.S) التي أفادت الدراسة بمعلومات مهمة عن لقاءات دوبرينين مع المسؤولين الأميركيين ومضمون مناقشاتهم في الأمور التي تخص الجانبين . 

قدمت الرسائل والأطروحات الجامعية باللغة الإنكليزية معلومات مهمة للدراسة، لاسيما أطروحة مايكل باولاوسكاس Michael V. Paulauskas)) الموسومة بـ (موسكو على نهر البوتوماك: السفارة السوفييتية والانفراج 1969-1979) (Moscow On The Potomac: The Soviet Embassy and Detente, 1969-1979) ، وتأتي أهمية تلك الأطروحة كون صاحبها قد حصل على فرصة السفر إلى روسيا واطلاعه على  الوثائق الرسمية لوزارة الخارجية، لاسيما المتعلقة بعمل دوبرينين الدبلوماسي، إذ تناولت الأطروحة سيرة دوبرينين ودراسته، ودور القناة السرية التي أدارها مع مستشار الأمن القومي الاميركي هنري كيسنجر، وأثرها في تحسين العلاقات بين الجانبين، كما تطرّقت الأطروحة إلى العلاقات الاجتماعية التي أقامها دوبرينين مع المسؤولين والسياسيين الأميركيين ، ورسالة لويس فالير (Louis Vallières) المعنونة  بين التشدّد والبراغماتية: السياسة الأميركية السوفيتية خلال الولاية الأولى لرونالد ريغان (Entre ligne dure et pragmatisme : la politique soviétique américaine durant le premier mandat de Ronald Reagan) باللغة الفرنسية والتي أفادت الدراسة في فصلها الرابع، إذ تناولت الرسالة سياسة الرئيس ريغان وتشدّده تجاه الاتحاد السوفيتي، كما تضمنت لقاءات دوبرينين مع مسؤولي الإدارة الأميركية ومحاولته إصلاح العلاقة بين الجانبين.

اعتمدت الدراسة أيضاً على كتب المذكّرات، يأتي في مقدّمتها مذكّرات أناتولي دوبرينين (بثقة تامة) In Confidence)) التي كانت المصدر الأساس للدراسة ، إذ دوّن فيها دوبرينين أهم مراحل حياته، وعمله الدبلوماسي، والأحداث التي عاشها في ظلّ الإدارات الأميركية التي عاصرها ، فضلاً عن معلومات مهمة تخص احداث تلك الحقبة المهمة من تاريخ العلاقات السوفيتية – الأميركية  إلّا أنّه في كثير من الأحيان لم يذكر تواريخ الأحداث التي يتكلّم عنها، وبما أنّ شخصية دوبرينين لم تحظَ باهتمام الباحثين العرب أو الأجانب فقد شكّلت مذكّراته المصدر الرئيس للدراسة ونظراً لأهمية تلك المذكرات فقد نشرت في الولايات المتحدة الأميركية والصين وبولندا واليونان ، وكذلك مذكّرات وزير الخارجية الاميركي سايروس فانس (Cyrus Vance) خيارات صعبة (Hard Choices)، التي احتوت على معلومات واسعة فيما يخص العلاقات الأميركية السوفيتية، ولقاءات سايروس فانس مع دوبرينين، والمناقشات التي جرت بينهما إزاء الموضوعات التي تخص الجانبين ومحاولات فانس اتباع نهج معتدل تجاه الاتحاد السوفيتي .