المستخلص
يُعَدّ عصر صدر الإسلام من أزهى الحقب الأدبية وأكثرها تأثيرًا في مسيرة البيان العربي، فقد شهد هذا العصر تحوّلًا جوهريًا في الفكر واللغة والأسلوب، بفضل الرسالة النبوية التي غيّرت ملامح الحياة العربية روحًا ومضمونًا. وقد جاء النثر في هذه المرحلة (خطباً، ورسائل، ووصايا، وأحاديث، وغيره) حاملًا رسالة الإصلاح والدعوة إلى القيم العليا، ومشحونًا بروح الإيمان والجهاد، ومؤسساً لمبادئ العدل والرحمة، فامتزج فيه صفاء الدين ببلاغة التعبير، وتخللته صور بيانية وإيقاعات لغوية ذات دلالات عميقة، مما أكسبه قيمة فنية وفكرية فريدة.
وقد تميّز نثر صدر الإسلام بخصوصيات أسلوبية جعلته يختلف عن النثر في العصور السابقة، إذ ارتكز على مقاصد دينية وأخلاقية واجتماعية، فجاء مؤثرًاً في النفوس، قادراً على الإقناع والتحريك معاً، ومن أبرز السمات التي طبعت هذا النثر تلك الظواهر البلاغية والتركيبية التي تجاوزت حدود الجمالية اللفظية، لتغدو أداةً للتعبير عن الرؤية الإصلاحية ومقاصد الدعوة الإسلامية. وقد اقترح عليّ هذا الموضوع أستاذي الأستاذ الدكتور (سعد عدوان وهيب)، الذي أشار إلى حاجة هذا الميدان إلى دراسة متخصصة تكشف عن ملامحه الأسلوبية وخصائصه الفنية، وهو ما شكّل دافعاً قوياً لإختياره.
فوافقت على ما أقترحه الدكتور لهذا الموضوع (خصائص الأسلوب في نثر صدر الإسلام) وقد بدا هذا الميدان خصباً وواعداً للبحث من منظور أسلوبي، مما حفّزني على دراسة النصوص النثرية في هذه الحقبة دراسةً تحليلية تستقصي ملامحها الفنية، وتكشف عن تجليات الظواهر الأسلوبية المؤثرة في بناء المعنى وصياغة الجماليات، مساهمةً في سدّ فراغ نقدي قائم، وإضافة نوعية إلى الدرس البلاغي المعاصر.
وقد قسمت دراستي هذه على ثلاث فصول، وتمهيد، وخاتمة؛ إذ عرضت في التمهيد (منطلقات تأسيسية) الذي اشتمل على تعريف الأسلوب لغة واصطلاحا، فضلاً عن اهميته لدى النقاد العرب القدماء والمحدثين والغرب، كذلك تطرقت إلى تعريف النثر وأهميته، وما فيه من فنون ، ثم يأتي الفصل الاول المعنون : (خصائص الأسلوب في توظيف الصوت ) أشتمل على ثلاثة مباحث ، المبحث الأول: ( أسلوب التكرار) حللت فيه بعض من نصوص النثر النبوي والخلفاء الراشدين، فوجدت أن التكرار جاء في نصوصهم متنوعاً ما بين تكرار حرف، وتكرار كلمة، وتكرار جملة، اما المبحث الثاني : ( أسلوب السجع) في نصوص النثر النبوي والخلفاء الراشدين والذي جاء ايضاً متنوعاً ما بين سجع مطرف ومتوازي ومرصع، بينما المبحث الثالث: ( أسلوب الجناس) في نصوص النثر النبوي والخلفاء الراشدين، أما الفصل الثاني والذي جاء بعنوان : ( بلاغة الطلب في نصوص نثر صدر الإسلام) والذي قسمته على ثلاثة مباحث: المبحث الأول ( أسلوب الأمر) والذي جاء متنوعاً ما بين فعل الأمر الصريح، والفعل المضارع المقرون بلام الأمر فجاء أسلوب الأمر ليبين معاني مجازية خرجت عن المعاني الأصلية ومن هذه المعاني المجازية التي ناسبت السياق منها الدعاء والإرشاد والنصيحة والتحذير وغيرهاأاا، بينما في المبحث الثاني: وهو (أسلوب النهي) جاء أسلوب النهي دائماً مقروناً ب(لا الناهية) كذلك تعدى المعاني الأصلية إلى المعاني المجازية مبيناً في هذا الأسلوب أن غايته هي ليس النهي والمنع والزجر بل كان وسيلة للتربية والتقويم، وفي المبحث الثالث: درست (أسلوب النداء) عرضت في هذا المبحث كيف ورد أسلوب النداء في نصوصهم النثرية منها وبينت أسلوب كل منهم في توظيف هذا الأسلوب وأغراضه المجازية، اما الفصل الثالث: فقد استخرجت الصور البيانية من النصوص النثرية وقسمته كذلك على ثلاثة مباحث: المبحث الأول:( أسلوب التشبيه) استخرجت بعض الصور التشبيهية التي وردت في النصوص النثرية والغرض منها هي تقريب المعاني الذهنية وتجسيدها في صورة محسوسة ، والمبحث الثاني: في (أسلوب الاستعارة) جاءت هذه الاستعارات متنوعة ما بين أستعارة تصريحية وأستعارة مكنية، إذ قامت هذه الاستعارات في نقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معاني مجازية أخرى، بينما في المبحث الثالث: (أسلوب الكناية) والذي جاء أيضاً كناية عن صفة وكناية عن موصوف وكناية عن نسبة وهذه الكنايات تركت مساحة للمتلقي في فهم المعنى وتفسيره بواسطة السياق ومقتضيات الكلام ، ثم انتهت الدراسة بخاتمة تضمنت اهم النتائج التي توصلت إليها بواسطة هذه الدراسة.
وقد تمثلت مشكلة البحث في الإجابة عن السؤال الآتي:
ما الخصائص الأسلوبية التي ميّزت نثر صدر الإسلام، وكيف أسهمت في أداء رسالته الدينية والاجتماعية والجمالية؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات، أبرزها:
1-ما الظواهر الصوتية البارزة في الخطب والرسائل والوصايا؟
2-كيف وُظِّفت الأساليب الإنشائية (الأمر، النهي، النداء) لتحقيق التأثير؟
3-ما أهم الصور البيانية ودلالاتها البيانية.
ويهدف البحث إلى الكشف عن الخصائص الأسلوبية لنثر صدر الإسلام وتحليلها بلاغيًا وأسلوبيًا، وبيان دور الظواهر الصوتية والأساليب الإنشائية والصور البيانية في تشكيل المعنى، وإبراز قيمتها الفنية والجمالية في النصوص النثرية.
وتنبع أهمية البحث من إسهامه في إثراء الدراسات البلاغية والأسلوبية، وتسليط الضوء على الجوانب الفنية في نثر صدر الإسلام بعيدًا عن الاقتصار على البعد التاريخي أو الديني، فضلًا عن سدّ فراغ نقدي وتقديم مادة علمية يمكن الإفادة منها في الدراسات العليا.
بينما حدود البحث اقتصرت على الخصائص الأسلوبية في نثر الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، ممثلًا في الخطب والرسائل والوصايا والأحاديث الصحيحة، و من بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) سنة 610م إلى نهاية خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة 661ه، و يعتمد على النصوص العربية الفصيحة الموثقة، مع استبعاد الروايات الضعيفة.
اعتمد البحث المنهج الأسلوبي أساسًا في تحليل النصوص واستنطاق بنيتها الفنية وربط الظواهر اللغوية بمقاصدها الدلالية، مع الإفادة من المنهج الوصفي التحليلي في رصد الظواهر وتصنيفها، والاستناد إلى مصادر بلاغية وأدبية ودراسات سابقة ذات صلة.
اطّلع البحث على عدد من الدراسات التي تناولت النثر الإسلامي، منها دراسات عن التناص في الخطابة، والكناية في الحديث النبوي، وخصائص الأسلوب الخطابي عند الخلفاء الراشدين.
