المستخلص
يمثل العصر العباسي (132-656هـ/749-1258م) بوجه عام مرحلة فاصلة في التاريخ الإسلامي، أتسمت بعمق التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وشهدت فيه الولايات الإسلامية تفاعلات داخلية وخارجية كثيفة أثّرت في بنيتها واستقرارها، وتأتي مصر بوصفها واحدة من أبرز الولايات العباسية، في قلب هذه التحولات التاريخية، لما لها من موقع جغرافي إستراتيجي متميز يربط ما بين المشرق والمغرب وما لها من ثروات طبيعية وبشرية جعلت منها ولاية محورية في المنظومة الاقتصادية والسياسية للخلافة العباسية وقد مثَّل استقرار الحكم فيها وضبط إدارتها هدفاً رئيساً للخلافة العباسية لاسيما وأنها كانت من أكبر روافد بيت المال وركناً مهماً في تأمين خطوط التجارة والاتصال بين قلب الخلافة العباسية وعاصمتها بغداد وبين الحجاز والشام وأفريقيا الى جانب ذلك كانت مصر مركزاً علمياً بارزاً أحتضن العلماء في مجالات شتى مما جعلها أحدى أقطاب الحضارة الاسلامية، وقد انعكس كل ذلك على طبيعة العلاقة ما بينها وبين الدولة العباسية فكانت سبباً في حرص الخلافة على تعين ولاة اقوياء لكنها ايضاً جعلتها عرضة للاضطرابات كلما ضعفت القبضة الادارية أو تباينت المصالح بين سكان المنطقة والسلطة العباسية .
ويعد عهد الخليفة عبد الله المأمون العباسي (198–218هـ / 813–833م) من الفترات التي ظهرت فيها دلائل الاضطراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر بشكل لافت فعلى الرغم من الطابع العام لعصر المأمون الذي ارتبط بازدهار العلم والجدل العقلي، لا سيما في بغداد، فإن مصر عرفت في الوقت نفسه موجات متعددة من التمرد والاضطراب، كان بعضها ذا طابع سياسي واقتصادي، وبعضها الآخر ذا خلفيات دينية واجتماعية وقبلية أو حتى طموحات انفصالية .
لقد أصبحت تلك الاضطرابات تهديداً حقيقاً للدولة العباسية من جميع النواحي، من أجل ذلك سعى الخليفة عبدالله المأمون لاتخاذ الاجراءات اللازمة التي تمكنه من أعادة مصر الى حضن الخلافة العباسية، ولأجل الوقوف على ما فرضته هذه الاجراءات من تجاذبات وتحديات ومن هذا المنطلق جاء إختياري للموضوع الموسوم اضطرابات مصر في عهد المأمون العباسي ( 198-218/813-833م) .
وقد جاءت هذه الدراسة لتسلط الضوء على تلك المرحلة الحرجة من تاريخ مصر، من خلال التحليل المنهجي للأحداث والوقائع المرتبطة بحركات التمرد والثورات والصراعات الإدارية والعسكرية التي جرت خلال حكم الخليفة المأمون، كما تحاول الدراسة تتبّع سياسة الخلافة العباسية في التعامل مع تلك الاضطرابات وتفسير التحولات في العلاقة بين السلطة المركزية في بغداد ومصر، خاصة في ظل تعاقب الولاة وتباين سياساتهم .
ومن هنا تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها من أحدى الدراسات التي تتناول التاريخ المحلي لمصر في مدة الخلافة العباسية، وتحديداً في عهد الخليفة العباسي المأمون وهو فحوى دراستنا خاصة وأن الصراع على السلطة ما بين الشقيقين الخليفة محمد الامين (193-198هـ/808-813م) وأخيه عبدالله المأمون والتي أنتهت بمقتل الامين وتعرض الدولة العباسية لعدد كبير من التحركات والتمردات في أمصارها المختلفة ومنها مصر.
