المستخلص
فإنَّ التأويلَ يعدُّ أحد مناهج النحاة التي قام عليها النحو العربي، فقد كان له الأثر الفعَّال والواضح في تفسير عدول الظاهرة النحوية عن الأصل، لذا ارتبط النحو منذ نشأته بظاهرة التأويل التي استعملها النحاة إبان التقعيد النحوي مع النصوص التي خالفت قواعدهم ولمَّا كانت اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ووعاء الدستور الإلهي أكسبها ذلك مكانةً رفيعةً ذات طابعٍ قدسيّ، مما جعلها تفوق سائر لغات العالم، فانبرى العلماء إلى صياغة قواعد هذه اللغة الشريفة باستقراء الكلام الفصيح، وبناء الأحكام وتقنين القوانين، فتكونت لديهم قواعد نحوية يسّرت تعليم النحو العربي، ولكنَّ عددًا من النصوص خالفت هذه القواعد، مما جعل النحاة يبحثون عن وسيلة تسوغ هذه المخالفة لتتفق مع قواعدهم التي وضعوها، فاتخذوا من التأويل وسيلةً لذلك.
والهدف منه هو تصحيح المسار وارجاع النص إلى القواعد الأصلية بحسب ما يراه النحوي؛ لأنَّه إنْ فعل ذلك فقد وفَّق بين النص العربي الوارد، والقواعد التي بُنيت عليها العربية.
ومن فكرةِ التوفيقِ بين النصوصِ الفصيحةِ والقواعدِ النحويةِ تشكلَّت البداياتُ الأولى للتأويلِ النحوي، الذي شكّلَ ظاهرة نحوية في تراث النحويين والمفسرين.
فقد يجد النحويون صيغًا ينبغي بمقتضى تلك الأحكام النحوية أن تعمل، ومع ذلك فليس ثمة معمول لها، أو يجدون صيغًا تتغير حركتها دون أن يكون وراءها عامل أحدث هذا التغيير، مما اضطرهم إلى اصطناع التأويل سبيلًا إلى التقنين.
وظاهرة التأويل تُنبئ عن سمات وخصائص جليلة لهذه اللغة الشريفة، فتعني بالدرجة الأساسية أنَّ اللغة العربية ليست قوالب جامدة، ويعد ابن جني (ت:392ه) من أوائل المؤسسين لهذه الفكرة، إذ عقد فصلًا كاملًا في كتابه (الخصائص) وأطلق عليه “باب شجاعة العربية”، وأدرج في هذا الباب مظاهر هذه الفكرة كالحذف والزيادة، والتقديم والتأخير، والحمل على المعنى، وغيرها.
وقد اضطرب عدد من النحويين في توجيه نصوص لغوية فصيحة مخالِفة لقواعدهم حتى أصبحت ميدانًا يتبارون فيه بتقديراتهم البعيدة، وتأويلاتهم المتكلفة، لا لشيء إلا للتوفيق بين النصوص وتلك القواعد.
ونحن في هذا المقام لا ننكر أهمية ظاهرة التأويل مطلقًا؛ لأنَّ عددًا من النصوص القرآنية والشعرية لا يستقيم معناها إلا به، ولا يمكن حملها على ظاهرها؛ لأنَّ كثيرًا منها يخالف قواعد الإعراب، والمعنى المراد ولا سيما نصوص القرآن الكريم، وفي الوقت نفسه لا يمكن إنكار جهد النحويين الكبير في وضع قواعد النحو العربي التي ساعدت في تعليمه، وحفظت لنا اللغة الفصيحة إلا أنَّ ما يعاب عليهم أنَّهم لم يتخذوا كل ما ورد في القرآن الكريم أساسًا في تقنين القواعد، ولو كان القرآن معينهم في بناء الأحكام النحوية لما اضطروا إلى تأويل العديد من نصوصه.
لذا عُدَّ التأويل من الأسس والأصول المهمة التي قام عليها النحو العربي، إذ تركزت في العصر الحديث دراسات اختصت بـ(التأويل النحوي) وبدت للباحثين جهود في هذا المجال وأخذ كلٌّ منهم منهجًا خاصًا في طرحه لهذا الموضوع على مستوى العنوانات والمضامين ولكن في ضمن إطار مختلف، فلسنا هنا بصدد دراسة التأويل النحوي نفسه، بل دراسة الدراسات الأكاديمية التي عُنيت بدراسة التأويل النحوي وحظيت بها، وبعد المشورة مع أستاذي المشرف الدكتور (إبراهيم رحمن حميد الأركي) أعزه الله وبارك فيه، وبعد تأمل وتأنٍّ رأيت أن يكون عنوان الدراسة (التأويل النحوي في دراسات الباحثين العراقيين) ويظهر في هذا العنوان أنَّ الدراسة تعتني بجهود الباحثينالعراقيين التي تحمل في عنواناتها مصطلح التأويل النحوي في حقبة معينة، وتقوم الدراسة على عرض هذه الجهود وتقويم ما جاء منها وبعد مراجعة أهل الصنعة في هذا الباب استقر في ذهني أن يكون الموضوع على ذلكم الشكل، وحاولت جاهدةً أن أضبط العنوان لأحكم دراستي في المضمون وأجعل ما تنطوي تحته من عنوانات لا لبس فيها ولا إشكال، فيكون عنوانًا جامعًا مانعًا يدل على مضمون ما تحمله الفكرة، ويمكن أن نجمل أهمية هذه الدراسة بما يأتي:
- هذا الموضوع ذو صلة وثيقة بالتراث اللغوي العربي في جوانبه المختلفة، ويحقق رغبتي في الاطلاع عليه، ويزيده أهميةً أنَّه يرتبط بميدانين يعدان من أهم ميادين تراثنا اللغوي العربي هما ميدان النحو والتفسير.
- تعدُّ هذه الظاهرة من موضوعات فلسفة النحو، وتُعبّر عن إبداع العقل البشري في ابتداع صور وأساليب تحقق التوافق بين النصوص والقواعد النحوية وتُسهم إسهامًا فعَّالًا في توضيح المعنى.
- يعدُّ التأويل النحوي من الأركان الأساسية التي أسهمت في بناء علم النحو بمختلف جوانبه، سواء أكان ذلك في استخلاص القواعد، والحفاظ عليها بتخريج ما خالفها، أم في تعليل الأحكام النحوية، أم في تقعيد الدرس النحوي بتعدد الأوجه في تحليل العبارة التي تخرج عن القاعدة وخدمة للتراث اللغوي.
وتَكمُن مواطن الجدة والأصالة في الموضوع من خلال جمع الجهود النحوية التي اشتملت على نتاجات الباحثين العراقيين في (التأويل النحوي)، ومن مظاهر الجدة أنَّ الموضوع ليس مقتصرًا على العرض وإنَّما يتعدى لأن تقوَّم تلكم الدراسات بحسب الأسبقية المعرفية فيها، وجمع تلك الجهود في دراسة واحدة تغني الباحث مكابدة الرجوع إلى مظانّ المعلومةِ، وقامت منهجية هذه الدراسة على وصف هذه الدراسات وتحليلها، ومقابلتها بما وجد في المدونة النحوية، وكتب التفسير، والقراءات، قديمًا وحديثًا.
