المستخلص
تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة تمثيلات ثقافة المدينة في روايات الكاتب العراقي سعد محمد رحيم، من منظور الدراسات الثقافية، بوصف الرواية خطاباً ثقافياً فاعلاً يسهم في تشخيص التحولات الاجتماعية والتاريخية التي شهدها المجتمع الحضري العراقي المعاصر. تنطلق الرسالة من فرضية مركزية مفادها أن الرواية لا تكتفي بعكس الواقع الحضري أو تمثيله تمثيلاً جمالياً فحسب، بل تؤدي دوراً معرفياً وثقافياً في تفكيك أنساق السلطة، وإعادة إنتاج الوعي بالمدينة، وتمثيل إشكاليات الهوية في سياق تاريخي مضطرب.
تتخذ هذه الدراسة من الدراسات الثقافية منهجيةً للتفكير والتحليل في مقاربتها لروايات سعد محمد رحيم، باعتبارها نصوصاً ثقافية مشحونة باللأبعاد والدلالات الاجتماعية والتاريخية، لا بوصفها بنىً جمالية معزولة. وقد أتاح هذا التوجه قراءة الرواية ضمن شبكة علاقاتها بالسياق السياسي والديني والاجتماعي، والكشف عن آليات اشتغال الخطاب السردي في تمثيل المدينة بوصفها فضاءً ثقافياً مركباً.
تتمحور إشكالية البحث حول الكيفية التي تمثلت بها ثقافة المدن بأبعادها السياسية والدينية والاجتماعية والهوياتية في المشروع الروائي لسعد محمد رحيم، وكيف يسهم هذا التمثيل في تشريح الواقع العراقي وإنتاج رؤية نقدية تجاهه. وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن سؤال رئيس مؤداه: كيف تتحول المدينة في هذه الروايات من حيز مكاني محايد إلى بنية ثقافية فاعلة تنتج أنساقها الخاصة، وتعیدُ تشكيل وعي الشخصيات وهویاتها الفردية والجماعية؟
اعتمدت الرسالة على منهجية الدراسات الثقافية في تحليل المتن الروائي، عن طريق تفكيك الأبعاد الثقافية المهيمنة داخل الخطاب السردي، والكشف عن آليات اشتغالها في إنتاج التمثيلات الاجتماعية والسياسية والدينية. وقد جرى التعامل مع روايات سعد محمد رحيم بوصفها متناً ثقافياً غنياً يعكس تحولات المدينة العراقية، ويكشف عن التوترات العميقة بين الفرد والسلطة، وبين المقدس والمجتمعي، وبين الذاكرة والحاضر. وقد وظفت أدوات هذا المنهج في تحليل مجموعة مختارة من رواياتهِ.
فكان اختيارنا العنوان مع الأستاذ المتمرس الدكتور فاضل عبود التميمي لهذا الموضوع حقلاً بحثياً (ثقافة المدن في روايات سعد محمد رحيم دراسة ثقافية) ليكون عنوانا لدراستنا هذه، وقد تعاملنا مع هذه الروايات وفق الدراسات الثقافية متحدي بذلك نفسي للغوص في أعماق النص الثقافي، وبذلك شكّلت الروايات المادة لهذه الدراسة.
تنقسم الدراسة منهجياً إلى ثلاثة فصول رئيسة تتصدرها مقدمة وتمهيد، يتفرع كل منها إلى مباحث محددة:
الفصل الأول: الأبعاد الثقافية في مدن سعد محمد رحيم.
تناول هذا الفصل الأبعاد المهيمنة التي تشكل البنى العميقة للنصوص، وقُسم إلى مبحثين:
يتناول المبحث الأول البعد السياسي: وفيه حللنا كيفية معالجة الروايات للقضايا السياسية الشائكة في المجتمع العراقي، عبر رؤية نقدية تبحث في التداخلات العميقة وتسعى إلى تصحيح المسار المجتمعي، والكشف عن كيفية توظيف الخطاب الروائي لفضح آليات السلطة والقمع، وتقديم نقد جذري لتاريخ السياسية العراقية المضطرب ومآلاته على الفرد والمجتمع، متجاوزاً السرد التقريري إلى تعرية البنى العميقة.
المبحث الثاني : البعد الديني والاجتماعي
استكشف هذا المبحث الأبعاد المتشابكة للدين والمجتمع بوصفهما مرتكزين أساسيين في البنية المجتمعية، مؤكداً على ضرورة فهمهما لفهم أي قضية أخرى. وتناول التشابك العضوي بين المقدس والمجتمعي، مبيناً كيف تعید الروايات إنتاج هذا التشابك وتفكيكه في آن واحد، لتظهر الدين بوصفه ساحة صراع وتأويل ضمن البنية الاجتماعية، لا حقيقة مطلقة منفصلة. كما فحص التشكيلات المجتمعية داخل الفضاء الروائي مع التركيز على علاقات الأفراد بالجماعات (العائلة، العشيرة، الطائفة، الحزب)، ودرس تحولات البنى الاجتماعية التقليدية تحت وطأة الحداثة والعنف، ودور الدين والمقدس بوصفه مرجعية ثقافية وأداة للتضامن أو الصراع. وحلّل تمثيلات الطقوس والعادات والمعتقدات الشعبية في تشكيل الهوية اليومية للمدينة.
أمّا تحليل البعد الثقافي للسخرية بوصفها استراتيجية خطابية مقاومة. فهي لا تشكل أسلوباً فحسب، بل بُعداً ثقافياً يُحدث انزياحاً عن الخطابات الرسمية والمألوفة، ويخلق مسافة نقدية تسمح بإعادة النظر في الثوابت السياسية والدينية والاجتماعية. وركز على السخرية بوصفها أسلوباً ثقافياً ونقدياً مغايراً، يخلق انزياحات فكرية لمعالجة قضايا سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية. ويُعد هذا محورياً، إذ يدرس توظيف السخرية والتهكم والمفارقة كاستراتيجية سردية وفكرية لدى الروائي، إذ لا تعد السخرية هنا مجرد أسلوب، بل ثقافةً تكشف التناقضات بين الخطابات الرسمية والواقع المعيش، وبين المثال والواقع، وبين الذاكرة والحاضر. ويُظهر هذا البعد انزياح الشخصيات عن الأنماط المتوقعة، وتحويل المأساوي إلى دائرة للسخرية السوداء، كآلية للبقاء والتفكيك.
