المستخلص
إن الأبحاث التاريخية تظهر لنا شخصيات بارزة ومؤثرة في المجتمع، حيث تثير في النفوس الشعور بالفخر والكرامة عبر ما تركوه من أثار كبيرة ومواقفهم المؤثرة، كان ذلك خلال بداية عصر الرسالة والعصرين الراشدي والأموي، ونجد أن الأشخاص الذين عاشوا طويلاً في هذه الحقب الزمنية كان لهم بالغ الأثر بسبب مكانتهم التي اكتسبوها عن طريق مواقفهم عبر السنين، وهذه الدراسة تبحث في فئةً خاصة من فئات المجتمع في صدر الإٍسلام، وهم المعمّرون الذين امتدت أعمارهم إِلى مدد زمنية طويلة، الأمر الذي لفت أنظار الرواة والمؤرخين الأوائل، فخصّوهم بالتدوين والتأليف، وقد أسهم هؤلاء العلماء في حفظ أخبار المعمّرين وما نُقل عنهم من أقوال وحِكَم وأشعار عكست تجاربهم الحياتية ورؤيتهم للشيخوخة والهرم، ويُعدّ هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 204هـ) أول من أفرد لهذه الفئة كتاباً مستقلاً بعنوان (المعمّرين)، وتلاه الهيثم بن عدي الطائي (ت 207هـ) بكتاب حمل ذات العنوان، ثم جاء أبو حاتم السجستاني (ت 255هـ) فألّف كتاب (المعمّرين)، الذي طُبع لاحقاً مع كتابه الآخر (الوصايا)، وهو النص الوحيد الذي وصل إلينا من هذه المصنفات، وقد جمع أبو حاتم فيه أخبار عدد من المعمّرين الذين تجاوزت أعمار كثيرٍ منهم مائة وعشرين سنة، واستشهد بما نُقل عنهم من أقوال وأشعار قيلت في مرحلة الكِبَر، عبّروا فيها عن معاناتهم من الشيخوخة، إِلى جانب ما حفلت به من حِكَم وأمثال، غير أنّ هذا العمل، على أهميته، لم يَتَّسِم بالشمول والاستقصاء، إذ اقتصر على أولئك المعمّرين الذين توفرت لهم شواهد نصية قالوها في كِبَرهم.
وإذا تتبعنا القران الكريم وحديث النبي الأمين(ﷺ)، نجد إن الإنسان يتقلب في نعم الله ورحماته وبركاته طوراً بعد طور وحالة بعد حالة، فإن نشأ في طاعة الله وأمضى شبابه في طريقه المستقيم، فهو موعود بظل العرش يوم القيامة، يوم تكون الشمس على رؤوس الخلائق وهم يخوضون في العرق والكرب والهول، وإن عاش ومد الله في عمره حتى علاه المشيب فإن شيبه نور، وله بكل شيبة حسنة، ويرفع بها درجة، قال رسول الله (ﷺ): “الشيب نــور المؤمن لا يشيب رجل شيبة في الإٍسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة ورفع بها درجة”([1]).
أما أهمية هذا الدراسة الموسومة بــــ (المعمّرون وأثرهم في الحياة العامة حتى نهاية العصر الأموي) في كونها تسعى إِلى إبراز فئة اجتماعية كان لها حضور فاعل في مسيرة المجتمع الإٍسلامي، إلا أن دورها لم يحظَ بما يستحقه من الدراسة والبحث المستقل، كما تكمن أهمية الموضوع في الكشف عن إسهامات المعمّرين في مختلف جوانب الحياة العامة، ولا سيما الجوانب السياسية والعسكرية والاجتماعية، وما نتج عن امتداد أعمارهم من تراكم الخبرات وتأثيرها في توجيه المجتمع واستقراره.
وتهدف هذه الدراسة إِلى إبراز ظاهرة التعمير في سياقها التاريخي، والكشف عن أثر امتداد العمر في العطاء العلمي والاجتماعي، اعتمادًا على المنهج الاستقرائي والتحليل التاريخي للروايات الواردة في المصادر الإٍسلامية، بما يسهم في سدّ جانب من النقص في الدراسات التاريخية المتخصصة في هذا المجال.
جاء اختيار هذا الموضوع استنادا الى جملة من الدوافع الذاتية والموضوعية، فعلى الصعيد الذاتي، انطلق الاهتمام من الرغبة في دراسة الفئات الاجتماعية المؤثرة التي لم تنل حظًا وافرًا من البحث المستقل، ولا سيما الفئات التي تمتاز بخصوصية تاريخية وزمنية كالمعمرين، لما تحمله من أبعاد إنسانية وحضارية عميقة، أما من الناحية الموضوعية، فقد برزت ندرة الدراسات التي أفردت لهذه الفئة بحثًا تحليليًا يكشف عن طبيعة أدوارها وتأثيرها، على الرغم من توافر مادة تاريخية غنية في كتب التراجم والطبقات والمصادر الأدبية، فضلاً عن أن دراسة أثر المعمرين تسهم في فهم أعمق لطبيعة التحولات التي شهدها المجتمع الإسلامي، من خلال تتبع دور الخبرة المتراكمة في صنع القرار والتوجيه والإصلاح.
لا جدال في إِن الصعوبات حاضرة دائماً في أي عمل أكاديمي، فواجهت الدراسة بعض الصعوبات، كان ابرزها، واجهت هذه الدراسة في الفصل الأول إشكالية تاريخية ومنهجية تمثلت في صعوبة تحديد مفهوم المعمرين في الكتابات التاريخية الإٍسلامية، لعدم وروده بوصفه مصطلحًا مؤصّلًا ذا تعريف محدد، إذ وردت أخبار المعمّرين ضمن كتب التاريخ والتراجم دون تحليل لأسباب طول العمر أو تفسير لظروفه التاريخية والاجتماعية، وأسهمت قلة المصادر التي أفردت لهذا الموضوع معالجة مستقلة في تعقيد ضبط المفهوم وتأطيره تاريخيًا، الأمر الذي استدعى اعتماد المنهج الاستقرائي وتحليل الروايات التاريخية في سياقاتها الزمنية والفكرية، بهدف الوصول إِلى تصور تاريخي علمي أكثر دقة، والامر الأخر هو صعوبة تحديد عمر المعمّر فكثير من الشخصيات لم يعرف تاريخ ولادتهم أو وفاتهم فيذكر فقط انه عاش طويلا فما كان على الباحثة الا تتبع الاحداث التي حدثت في عصر المعمّر لتصل إِلى تاريخ ولادته أو وفاته هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان هناك الكثير من الشخصيات المعمّرة والمعروف كم عاشوا الا ان المصادر لم تذكر لهم ادوار بارزة في الحياة العامة وهذا ادى إِلى عدم ذكرهم في الرسالة.
وقد اقتضت طبيعة الرسالة تقسيمها إِلى ثلاثة فصول؛ إذ خُصِّص الفصل الأول للتعريف بمفردات عنوان الرسالة، إذ بينا في المبحث الأول مفهوم التعمير وأحوال المعمّرين في ضوء الروايات التاريخية، بينما عالج المبحث الثاني مفهوم الحياة العامة وأبعادها في المجتمع الإٍسلامي، أما الفصل الثاني، فقد خُصِّص لدراسة المعمّرين من الصحابة (t)، وبيان أثرهم في الحياة العامة، عبر تتبع أدوار المهاجرين والأنصار، إضافة إِلى الصحابة الشعراء وما كان لهم من حضورٍ ثقافي واجتماعي، وجاء الفصل الثالث ليدرس المعمّرون وأثرهم في الحياة العلمية، والتركيز على إسهامات العلماء والمحدّثين والنساء المعمّرات، ودورهم في استمرار الحركة العلمية والاجتماعية.
(1) رواه البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين (ت 458 هـ)، شعب الإيمان، تح: د عبد العلي عبد الحميد حامد، ط1، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي (الهند – 2003م)، ج8، ص٣٨٤ برقم (٥٩٧٠).
