المستخلص
أن دراسة الحياة الاجتماعية في جوانبها المختلفة تعد من الدراسات التاريخية المهمة، ولا سيما إذا كان ارتكاز الدراسة على مصادر التراث العربي الإسلامي التي منها كتب الجغرافيا والرحلات, إذ لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن هذه الكتب تعد ذات قيمة علمية امتازت بذكر الجوانب الاجتماعية للمجتمعات المختلفة وتبرز أهمية المصادر عند دراسة الحياة الاجتماعية لبلاد الهند ولا سيما من خلال مصنفات العلماء المسلمين وصف بيئتهم البيروني ، ما يدعو الباحث الى الركون عليها للاستفادة منها في دراسة الأحداث التاريخية , ومن هنا اصبح لزاما على الباحث التاريخي ان يكون واسع الثقافة مطلعا على المصادر الاخرى من غير كتب التاريخ وأن يغلب عليه التنوع في دراسة موضوعاته المختلفة للإفادة منها في دراسة الحياة الاجتماعية.
في ضوء هذه المعطيات تولدت لدينا القناعة في أسباب اختيار موضوعنا الى دراسة (الجوانب الاجتماعية في كتاب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة لأبي الريحان البيروني( ت440هـ ـــ 1048م), تشرّفتُ بتبني هذا الموضوع بناءً على رؤية علمية طرحها سعادة الدكتور ( أ. د. حامد حميد عطية )، والتي لاقت ترحيباً وتأييداً من لدن الأساتذة الأفاضل في القسم، تقديراً لعمق المادة التاريخية والاجتماعية التي قدمها البيروني ،ولاسيما وان ابو الريحان البيروني كان مؤرخاً وفيلسوف عصره ، من أهل خوارزم. أقام في الهند بضع سنين , ويعتبر كتابه مصدراً أساسياً كاملاً للحضارة الهندية، إذا تحدث عن كل ما يتعلق بالهند من عادات وتقاليد وقيم وعقائد دينية ومعلومات كثيرة أخرى متنوعة. وقيم وعقائد دينية ومعلومات كثيرة أخرى متنوعة.
وبحسب اطلاعنا وطوال مدة البحث والدراسة لم نجد هناك دراسة علمية تطرقت إلى دراسة الجوانب الاجتماعية عن طريق هذا الكتاب أو عن جوانب هذا الموضوع .
ومن هنا تبرز أهمية دراسة الحياة الاجتماعية في بلاد الهند ، إذ أنها تعطي صورة واضحة عن جوانب الاجتماعية المتنوعة باعتبارها محور كبير وأساس في دراسة حياة الإنسان وبذلك نرجو أن تسهم هذه الدراسة إلى إبراز صورة عن الحياة الاجتماعية والدينية في الهند، تكتسب دراسة الحياة الاجتماعية في بلاد الهند -خاصة من خلال منظور تاريخي ومنهجي كالذي قدمه البيروني أهمية بالغة تتجاوز مجرد سرد العادات، فهي تمثل مفتاحاً لفهم واحدة من أعقد الحضارات الإنساني، دراسة المجتمع الهندي هي دراسة لنظام “الطبقات” الذي لا يوجد له مثيل بحدته وتفاصيله في حضارات أخرى ،تفسير الاستقرار الاجتماعي الطويل في الهند رغم الغزوات الخارجية ومعرفة كيفية توزيع المهن والواجبات الدينية والحقوق المدنية بناءً على المولد ،في الهند، لا يمكن فصل “الاجتماعي” عن “الديني”. تكمن أهمية الدراسة في كشف كيف تصوغ العقائد مثل( التناسخ) السلوك اليومي للأفراد، وكيف تتحول الطقوس الدينية إلى قوانين اجتماعية ملزمة تنظم الزواج، والإرث، والطعام.
لم تخلوا هذه الدراسة من بعض الصعوبات منها كثرة المصطلحات الهندية وصعوبة فهم معانيها وتتبع أصلها في المراجع القديم , ومن الصعوبات الاخرى ان لغة البيروني في الكتابة اغلبها بأسلوب جاف بعيدا عن الأسلوب الأدبي المشوق, لان أبو الريحان البيروني لم يكن من الرحالة والجغرافيين فحسب بل أتخذ مساره في حبال علوم المعرفة كافة والتي تحتل العلوم الرياضية والفلسفية والفيزيائية المكانة الاولى بالشبة له وذلك من خلال مؤلفاته التي ألفها على مدار سنين حياته ولأن نسبه غير معلوم سوى أنه من خوارزم ولكن كان يعشق اللغة العربية بشكل كبير حتى قال (أهجو بالعربية أحب الي من المدح بالفارسية ) ثم يرجع ليقول (ومصداق قولي هذا يعرفه من تأمل كتاب علم قد نقل ال فارسية كيف ذهب رونقه وكشف باله وأسود وجهه وزال الانتفاع به أذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية )، علاوة التتبع الدقيق لجوانب الحياة الاجتماعية التي غالباً ما وجدناها مبعثرة في أجزاء الكتاب، وقد حاولنا جاهدين ان نجمع ما وجدناه وما يتعلق بموضوع الدراسة.
اقتضت طبيعة الدراسة أن تقسم على مقدمة وثلاثة فصول تليها أبرز الاستنتاجات التي توصلت لها الدراسة، ثم قائمة بالمصادر والمراجع المعتمدة، وأخيراً ملخص للدراسة باللغة الإنكليزية.
جاء الفصل الأول بعنوان: (السيرة الشخصية والعلمية لأبي الريحان البيروني) وارتكز على مبحثين، تناولنا في المبحث الأول: حياة أبو الريحان البيروني الشخصية منها اسمه ونسبه، ولادته، ألقابه، صفاته ومزاياه، أما المبحث الثاني: فقد خصص لنتاجه العلمي من حيث الشيوخ ومؤلفاته والأسلوب والمنهج ورحلاته ووفاته.
أما الفصل الثاني فكان بعنوان: (الجوانب الاجتماعية في الهند) وتم تقسيمه على مبحثين، تناولت في المبحث الأول: الهيكل الاجتماعي وعناصر المجتمع لبلاد الهند اللغة السائدة في الهند وطبقات المجتمع الهندي متمثلة بطبقة البراهمة، كشتري، بيش، شودرا، المنبوذين.
أما المبحث الثاني: الحياة الأسرية في الهند مثل الزواج، (موت الزوج)، الزنا في المجتمع الهندي، الأنساب، الزواج المذموم في الهند، الطعام، والشراب، الملابس السائدة في الهند، الأعياد في الهندوس، والعادات والتقاليد.
أما الفصل الثالث بعنوان: (والجوانب الدينية والعقائدية في الهند) وقسم إلى مبحثين، المبحث الأول: الفكر الديني في الهند اعتقادهم في الله سبحانه وتعالى، عبادة الأصنام، التناسخ. أما المبحث الثاني: الصدقات، القرابين، الكفارات والعقوبات، الصيام، حقوق الميت، الحج، جزاء الانسان من الجنة وجهنم في الديانة الهندوسية والسحر (خداع البصر).
ثانياً: عــــرض المــصـــــادر والمــراجـــــــع:
اعتمدت هذه الدراسة على مجموعة من المصادر والمراجع الحديثة وسأكتفي بالإشارة إلى أهمها وأكثرها صلة بالموضوع لما لها من أهمية وفائدة في إثراء البحث ودعمه علمياً.
أولًا: كتب التاريخ العام:
شكلت كتب التاريخ العام مادة مهمة لدراستنا ويأتي في مقدمتها:
1- كتاب (تاريخ الرسل والملوك ) للطبري (ت310هـ/ 923م) يعد كتابه من اهم مصادر تاريخ الإسلامي، رغم تركيزه على الخلافة، إلا أنه ذكر بدايات الاحتكاك والفتوحات في السند والهند.
2- كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي (ت 346هـ/956م) بوصفة مصنفاً كاملاً تضمن عرضاً أوسع لأخبار بلاد الهند مما كان سيسهم في أجراء مقارنة منهجية بين ما أورده المسعودي ومشاهدات البيروني ضمن أطار تحليلي .
3- كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (ت630ه/1232م) ، ركز ابن الأثير بشكل دقيق على فتوحات السلطان محمود الغزنوي في الهند، والتي عاصرها البيروني نفسه، الجوانب العقائدية والاجتماعية (وصف الأصنام والتقاليد) رغم أن ابن الأثير لم يعش في الهند مثل البيروني، إلا أنه نقل أوصافاً اجتماعية ودينية هامة: وصف المعابد: تحدث عن عظمة عمارة المعابد الهندية وضخامتها، ووصف صنم “سومنات” وما كان يعتقد فيه الهنود من قدرات غيبية.
4- كتاب ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر لابن خلدون (ت 808هـ/1405م)، أرّخ للدول التي حكمت الهند أو أجزاءً منها مثل الغزنويين الاتفاق المنهجي يتفق الرجلان في نقطة جوهرية وهي “تحكيم العقل” في نقل الأخبار. ابن خلدون في مقدمته وضع قواعد لنقد الخبر التاريخي، والبيروني في “تحقيق مال الهند” وضع قواعد لنقد الخبر الاجتماعي؛ كلاهما كان يحارب “الخرافة” و”المستحيل عقلاً”.
ومن المصادر التي لا يمكن لأي دراسة تاريخية الاستغناء عنها والافادة منها كتب الانساب نظراً للشخصيات الواردة في الدراسة وكان في مقدمتها:
- كتاب أنساب الإشراف للبلاذري (ت279هـ/892م) وكتابه أنساب الاشراف، من المصادر المهمة التي أفرد البلاذري مساحة واسعة لذكر القادة الأمويين والعباسيين الذين تولوا جبهة الهند وتحدث عن الطبقات الاجتماعية التي واجهها المسلمون في الهند،.
- كتاب الأنساب، لمؤلفه عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني ، أبو سعد (ت 562هـ/1162م)، ويعد هذا الكتاب هو بحق الكتاب الوحيد الجامع في هذا الفن، جمع فيه عامة ما ظفر به من النسب مطلقاً، ويضم جميع أوجه النسب، سواء كانت إلى جد، أو بلدة، أو حرفة وغير ذلك، واستفدنا من هذا الكتاب في تراجم بعض العلماء والشخصيات.
ثالثا: الطبقات و التراجم:
ومن المصادر التي لا يمكن لأي دراسة تاريخية الاستغناء عنها والافادة منها كتب الطبقات والتراجم نظراً للشخصيات الواردة في الدراسة وكان في مقدمتها:
1- كتاب سير أعلام النبلاء، للذهبي (ت748هـ/1347م) استفادت الدراسة منه في من خلال تراجم الذهبي للعلماء المعاصرين للبيروني (مثل السلطان محمود الغزنوي تستطيعين فهم :رعاية العلم: كيف كانت “السلطة السياسية” (الغزنويين) توفر البيئة الاجتماعية للعلماء للرحلة والبحث، وهو ما مكن البيروني من قضاء 13 عاماً في الهند..
2- كتاب الوافي بالوفيات للصفدي (ت764هــ/1345م) استفدت منه في الدراسة حيث ذكر الصفدي أن البيروني “لم يكن يفارق يده القلم وعينه النظر وقلبه الفكر”، وهذا يفسر كيف استطاع البيروني الصمود 13 عاماً في بيئة غريبة كالهند ليدرس تفاصيل حياتهم، أشار الصفدي إلى أن البيروني غاص في علوم الهند ولغتها (السنسكريتية) حتى صار مرجعاً فيها، وهو ما مكنه من نقل “الحياة الاجتماعية” بدقة لا يملكها غيره ،أرّخ الصفدي للعلاقة بين البيروني والسلطان محمود الغزنوي وابنه مسعود، وأوضح كيف استثمر البيروني وجوده في حاشية السلطان أثناء فتوحات الهند ليجري أبحاثه “الميدانية”.
3-كتاب بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (ت911هـ/1505م) ترجم السيوطي لـ أبي الريحان البيروني، ورغم أن الكتاب مختص بالنحاة، إلا أن السيوطي ،أدرج البيروني لتمكنه من “اللغة السنسكريتية” ولغات الأمم الأخرى الأهمية الاجتماعية: أشار السيوطي إلى أن تمكن البيروني من لغة الهند كان مفتاحاً لفهم “عاداتهم” و”شرائعهم ، استفادت الدراسة منه في الفصل الثاني بشكل كبير
رابعا: البلدان والرحلات:
أثناء مدة الدراسة تم الاعتماد على مجموعة من المعجمات الجغرافية التي لا يمكن الاستغناء عنها في أي دراسة تاريخية وذلك للتعريف بالأماكن الجغرافية ، ومنها:
1- كتاب البلدان لابن الفقيه لابن الفقيه الهمذاني (ت340هـ/951م) وصف الطبائع والعادات: ذكر ابن الفقيه تفاصيل عن أخلاق أهل الهند، مشيراً إلى صدقهم وأمانتهم، ووصف بعض عاداتهم في المأكل والملبس، وصوّر المجتمع الهندي كمجتمع ذي تقاليد راسخة وصارمة ،الديانات والروحانيات: أفاض في ذكر أصنام الهند ومعابدهم، وتحدث عن فكرة (التناسخ) والمجاهدات الروحية التي يقوم بها النساك الهنود، وهو ما مهد الطريق لاحقاً للبيروني ليتوسع في شرح هذه العقائد فلسفياً ،عجائب الهند: نقل الكثير من القصص حول الحيوانات (كالفيلة) والنباتات والأحجار الكريمة، مما يعكس نظرة الرحالة الأوائل للهند كـ “أرض الثراء والغرابة”.
2-كتاب رحلة السيرافي لأبو زيد السيرافي (ت330ه/941م) استفدت من هذه الكتاب بشكل كبير في دراستي في الفصلين الثاني والثالث حيث ركز على الجوانب الاجتماعية نظام الحكم والقانون: وصف دقة الهنود في تطبيق القوانين، وذكر “المُنازلة” أو التحاكم عند الملوك، وكيف كانت للمجتمع تقاليد صارمة في حفظ الحقوق ،الطبقات والمهن: أشار إلى وجود تمايز طبقي واضح، وذكر بعض المهن المستهجنة عندهم، وصور المجتمع ككتل بشرية يحكمها العرف والتقليد ،والجوانب الدينية البراهمة والنساك: وصف السيرافي العُبّاد الهنود الذين يعذبون أنفسهم تقرباً لآلهتهم، وذكر “البد” (الأصنام) وطقوس التعبد حولها ،عقيدة حرق الموتى: كان من أوائل الذين وصفوا طقس تضحية الأرملة بنفسها بعد موت زوجها ، معتبراً إياها تعبيراً عن “الوفاء والتدين” المتطرف في ذلك المجتمع ،عادات الطعام والزينة: وصف طريقة أكل الهنود (بمفردهم غالباً) ومنعهم لشرب الخمر، وهي ملاحظات اجتماعية أولية وثقها البيروني لاحقاً بعمق فلسفي أكبر.
- كتاب المسالك والممالك للمهلبي (ت380هـ) وصف المدن والسلطة: قدم المهلبي وصفاً دقيقاً لمدن السند والهند (مثل المنصورة والمولتان)، وتحدث عن طبائع ملوكها وعلاقتهم بالرعية ،ومن الناحية الدينية المعابد والأصنام: وصف معبد “المولتان”
