المستخلص
تتمثل أهمية الكتابات السّير ذاتية بوصفها تنقل التجربة الإنسانية من الحياة الى التدوين؛ لتمثل تسجيلاً وتوثيقاً وشهادة المؤلف في تجاربه التي عاشها، وهي محاولته نقل تفاصل الواقع الذي عاشه، وما فيها من ذاتية وموضوعية ومضمون، فضلاً عن عامل الجرأة والمكاشفة في توثيق هذه الأحداث وتبيان مقصدياتها.
برزت العناية بالسّيرة وأسبابها أي مقاصدها التي تبوح بالأسباب والمسببات، في خاطري وأنا أتأمل عدداً من سيّر الأدباء العرب، فكان هدف الاطروحة تتبع هذا الشكل القصدي الذي يتابع انتهاج رؤية كاتب السّيرة الذاتية في مدونته، التي يروم عرضها، ونشرها وهو ما شكّل ارتباطاً بين المقاصد والسّيرة في تحليل ذاتيهما، إذ أنّ المقاصد المحددة تتمحور عند الناقد والمتلقي حول مقصدية كتابة السّير الذاتية، التي يسردها كتابها، فضلاً عن مُتخيله السردي في الوقت عينه؛ لأن معظم كتّاب السّيرة كانوا على جانب من العلم والأدب وحُب الاستطلاع، وهكذا يرتبط تنميط المتخيل بالمقاصد بأدب السّيرة الذاتية في وحدة وجود بنائية، ولا سيما في مقاصد المكان الحقيقي والمتخيل ومقاصد الزمان الحقيقي والمتخيل عند كتاب السّيرة الذاتية، اذ يجب أن نفرق بين ثلاثة أنواع من مقاصد السّير الذاتية ومتخيلات كتابها.
إنّ كاتب السّيرة الذاتية في مقصديته يحدد سبب الكتابة، وأزمة السيرة القلقة، وأزمة التعلق بالماضي والحاضر، ومن ثم تبرز المقاصد الذاتية والنصية وما وراء النصية ضمن دلالات ما وراء مقاصده ممزوجة بالمتخيل السردي الذي يحيط أوجه تلك السيّر، فضلاَ عن المذكرات والتراجم، والاعترافات في وقت واحد. بوصف صعوبة فهم المقاصد ومعها المعاني والاخيلة في النص المقروء في السّيرة الذاتية تكون بموازاة ما تُقدمْ.
تُعبر السّيرة في الأدب العربي الحديث عن ماهية هوية الذات الأدبية الساردة، فنجد في تحليل مقاصد السّيرة الذاتية أنها تستند الى وقائع حقيقية عاشها المؤلف، ومجالها قد لا يكون مباشراً تحت مُسمى السّيرة الذاتية فحسب، بل قد يكون مجالها الرواية التي تعتمد على الخيال، أو المذكرات، أو الاعترافات التي يكون مجالها الواقع لتسمى بالرواية السير ذاتية ، وتأخذ بعض صفاتها من الأجناس مثل الواقعية، أو الخيال البعيد عن الواقع ، كما في الروايات التاريخية، والتراجيدية والرومانسية ، وهو ما يرينا إن المحددات الكتابية للسيرة الذاتية تتعدد على وفق المضامين الفكرية التي تقوم عليها الفكرة النصية، وقد وجدنا أن السّيرة الذاتية حينما تكون ضمن سرد تاريخي ، أو مذكرات وطنية ، يغلب الجانب المضموني الفكري عليها؛ ليكون محدداُ كتابياً فاعلاً في كتابة السّيرة الذاتية؛ نظراً الى أن مقاصد الأدباء العرب من كتابة سيرهم الذاتية شعراً ونثراً تتمحور حول توصيف الذات بما يظهر إرادتهم في هذا التوصيف، فتكون المقاصد المحددة لكتابة السّيرة الذاتية هي تنويعات قصدية تشكل ذاتية السّيرة وصفاتها.
نجد من إدراك ما سبق أنّ المقاصد الذاتية في كتابة السّير الذاتية، يمكن فهمها في ضوء تحليل ماهية المقصود سيرياً وسردياً ونصياً، فالهدف من كتابة السّيرة الذاتية وهو ما يشكل أساس فهم جوهرية المقاصد الذاتية في السّير الذاتية بأشكالها المتنوعة بموازاة اشكالها النصّية بصفاتها القصدية المتنوعة كذلك.
جاء اختيار الموضوع؛ تلبية لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية، تمثل الذاتي في الإحساس المرتبط بالمؤلف وذاته وبما للسّيرة الذاتية من أداءٍ مهم يمكنها الاضطلاع به في تحقيق التفاعل بين الأدب والحياة، انطلاقًا من ارتباط الأنا بواقعها الذي تنتمي إليه، فليس خافياً ابتداء عمق هذا النوع من الكتابة وما تتطلبه من قدرة على نقل ما هو حياتي إلى واقعة ورقية، أمّا الموضوعية، فهي مرتبطة بتعبير النص عن العالم الذي تحاكيه فتنقله وتتخليه، فتسعى للكشف عما يميز السّيرة الذاتية عن غيرها من الأجناس الأخرى في قصدية النص، إذ تلتقيها في أكثر من خصيصة فنية، لذا تُـعنى الاطروحة بالنص المقصدي للأدباء العرب في كتابة السّيرة الذاتية وما يختص به من سمات أدبية لافتة تحيل إليها لا إلى سواها؛ لتجعل من ذلك خصوصية تسهم في تشكل النص ومضمونه، وتحمله على الإفصاح عما يتخلل فجواته، داعية قارئها إلى رصدها والوقوف عليها، وعلى ما كُـتب عن السّيرة الذاتية، فوجدت بعد الاطلاع على ما طرحه التصنيف الأجناسي للسيرة الذاتية من إشكالات أن جلّ الدراسات مست حدود السيرة والسّيرة الذاتية، مركزة عنايتها على تعالقاتها بغيرها من صنوف كتابة الـذات، وما عرفته من تطورات فنية قديماً وحديثاً.
عمدت الباحثة الى دراسة “المقاصد”، أي الأسباب التي تدفع الأديب لكتابة سيرته بوصفها عنصراً مهيمنا في حياة الأديب، وإنْ حاول بعض الدارسين البحث عـن مقوماتها، لكن من دون التطرق إلى آليات اشتغالها وصلاتها بالمرجعيات التي تأسست عليها والإسهام في إنتاج دلالتها، وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن جوهر إشكالية البحث التي قامـت علـى سـؤال معرفي فحواه كيف يحقق النص السّيرة الذاتية العربي مقصديته؟ وهنا لابد من البحث عن علاقة انتمائه الفني إلـى الأدب الذي يكتب فيه؛ كي يوثق صلتة بتطورات العصر الحديث، ولابد من تأسـيس لأدبية مقصدية النص السّير ذاتي انطلاقاً من آليات اشتغاله واحتكاماً إلى مرجعياته الفاعلـة، بمـا يشبه حالة انصهار بينهما، إذ يسعى البحث للإجابة عما تقدم من أسئلة باعتماده خطة اشتملت على مقدمة وضمت مدخلاً تمهيدياً وُسم بعنوان الجذر ((النقدي الفلسفي للمقصدية وعلاقته بالسيرة الذاتية)) فوسم ضمن محوين وتناول المحور الثاني السيرة والسيرة الذاتية ، أما المحور الثالث فبحث في الفرق بين المذكرات والسّيرة الذاتية، ومن ثم قسمتخطة الاطروحة ضمن ثلاثة فصول، فوسم الفصل الأول بـ( المحددات الكتابية والتوصيفية للسّيرة الذاتية)، إذ تتبعت الباحثة المحددات الكتابية التي أسهمت في رفد السّيرة الذاتية في نماذج سيّرية مختلفة، وفي المبحث الثاني خصص للتأسيس للمحددات التوصيفية، إذ هناك سياقات نصّية ذات مقاصد متعددة المضامين تفرض على السّيرة هيمنة بعض المحددات. ضمن مبحثين فجاء المبحث الأول بعنوان ( المحددات الكتابية). أما المبحث الثاني، فوسم بـ( المحددات التوصيفية) في حين وسم الفصل الثاني بـ( مقاصد كتابة السّيرة الذاتية) بما تمثله من سمات نص السّيرة الذاتية المحدد للقصدية الذاتية نفسها على وفق استنطاق النص السّير ذاتي مقصدياً، فجاء ضمن مبحثين ركزت دراسة المبحث الأول على(المقاصد الذاتية). أما المبحث الثاني فجاء بعنوان ( المقاصد التوصيفية) في حين وسم الفصل الثالث بـ( السّيرة الذاتية والأدب الاعترافي) إذ جــاء هذا الفصـل ضـمن ثلاثة مبـاحث، فوسم المبـحث الأول بـ( المظاهر الدلالية التصويرية ) . أما المبحث الثاني فوسم بـ( شعرية السرد). أما المبحث الثالث فوسم بـ (فاعلية الغربة والاغتراب في مظاهر مقاصد الأدباء العرب في سيرهم الذاتية)؛ لأن العلاقة الوثيقة بين فاعلية الغربة والمتخيل في التراث الشعري والنثري، والأدبي، والسيري ضمن السّير الذاتية العربية، تكمن في التماهي بين فاعلية الغربة وهي حالة نفسّية وظيفية وبين المُتخيل المقاصدي، الذي يتمحور حول حالة سردية هي مسألة تحديد للتوحد بين المصطلحين في كتب الأدب وكتب السّيرة.
