المستخلص
أمّا بعدُ، فيعدُّ القاموس المحيط للفيروزآباديّ (ت817ه) من أشهر المعجمات العربية التي بعثت النشاط في محيط التأليف اللغويّ والمعجميّ، فقد حَظِيَ- بعد تأليفه- بعنايةٍ كبيرةٍ من اللغويّين، فأقاموا عليه مؤلَّفاتٍ كثيرة، عُنيت بشرح خطبته التي تضمَّنتْ أسبابَ تأليفه القاموس، واصطلاحاته التي اتّخذها منهجًا لصنيع معجمه، وشرح مادته، ونقده، والاستدراك عليه، واختصاره، واختيار موضوعات منه في مؤلَّفات مستقلة.
بدأت الحركة المعجميّة حول القاموس المحيط منذ نهاية القرن التاسع الهجريّ، واتّسعت كثيرًا في القرن الحادي عشر الهجريّ بعددٍ كبيرٍ من المؤلَّفات، وبلغت ذروتها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وذلك عندما ألَّف ابن الطيّب الفاسيّ(ت1170ه) كتابه (إضاءة الراموس وإفاضة الناموس على إضاءة القاموس) في مجلداتٍ كبيرةٍ كانت نواة لكتاب ضخم موسوعيّ آخر، وهو (تاج العروس من جواهر القاموس) لمؤلِّفه السيد مرتضى الزَّبيديّ (ت1205ه)، بيد أنَّها كَثرت في القرن الرابع عشر الهجريّ، عندما ألَّف أحمد فارس الشدياق (ت1305ه) كتابه (الجاسوس على القاموس)، وأحمد تيمور (ت1348ه) في كتابه (تصحيح القاموس المحيط).
وتعود أسباب تلك المؤلَّفات المعجميّة التي أقامها أصحابها على القاموس المحيط إلى أنَّ الفيروزآباديّ ادّعى في خطبته أنَّ أبا نصر الجوهريّ (ت بحدود400ه) صاحب معجم (تاج اللغة وصحاح العربية) فاته نصفُ اللغة، فأهمل ألفاظًا فصيحة لم يدوِّنْها، واستدرك عليه ألفاظًا عديدة ميَّزها بالحُمرة، وخطّأه في عددٍ من الألفاظ، وادّعى الفيروزآباديّ أيضًا في خطبته، أنَّ كتابه محيطٌ بألفاظ اللغة، كالبحر عند الغوص فيه، ولا سيّما أنَّه ألَّف كتابًا يقع في ستينَ سِفرًا أسماه(اللَّامع المُعْلم العُجاب الجامع بين المُحكم والعُباب)، لكنَّه لم يُتمَّه، فاختصره وأوجزه في كتابٍ واحدٍ هو القاموس المحيط، الذي حوى خلاصة (المحكم والمحيط الأعظم) لابن سيده (ت456ه)، و(العُباب الزاخر واللُّباب الفاخر) للصغّانيّ (ت650ه)، فجاء معجمه مختصرًا مهذبًا فريدًا، يتّسم بالإيجاز والاختصار، وافتخر الفيروزآباديّ بمعجمه أيَّما افتخار، فنالَ شهرةً واسعةً عند علماء عصره، وطلبة العلم، لكنَّ ذلك لم يرق لكثيرٍ من اللغويين، فعنوا بالقاموس شرحًا وتحشيةً ونقدًا واستدراكًا واختصارًا، وردّوا كثيرًا ممّا ادَّعاه في نقد الجوهريّ، وعلى هذا الأساس تمَّ اختيار تلك المؤلَّفات موضوعًا لدراستنا.
إنَّ صلتي بالمعجم ليست وليدةَ الصدفةِ، بل كانت منذ عشر سنواتٍ، عندما كنت طالبًا في مرحلة الماجستير، وكانت البذرة الأولى في عنايتي بالمعجم العربيّ لمّا اقترح عليَّ أستاذنا الدكتور مكّي نَومان مظلوم، أنْ أُقدِّمَ بحثًا في مادة المعجم العربيّ القديم، وكان بعنوان: (أسماء الأسد وصفاته في معجم جمهرة اللغة لابن دريد (ت328ه))، وأكملت بعد ذلك رسالتي للماجستير في تخصّص المعجم أيضًا، بعنوان (الاستدراك على المعجم العربيّ القديم عند الدارسين العراقيّين المُحدَثين)، بعناية شيخي الدكتور مكّي نومان مظلوم وإشرافه، وعند التحاقي بدورة الدكتوراه في نهاية سنة 2022م، بدأت الأفكار تتداعى في موضوعٍ معجميّ آخر، فأخبرني السيد المشرف بموضوع الدراسة، وأنَّه جمع بطاقات ومسوَّدات تضمُّ بعضًا من أسماء المؤلَّفات التي أُقيمت على القاموس، كان قد دوَّنها في أثناء مطالعته كتب التراث العربيّ، فسرَّني ما قدَّمه لي، وبعد الاستشارة والمداولة مع عددٍ آخرَ من أساتيذي في قسم اللغة العربية ، تبلورت فكرة الموضوع ونضجت، فقدَّمت موضوعي للجنة مناقشة العنوانات، وعرضت الموضوع عليهم، فأثنى الأساتيذ الكرام عليه كثيرًا، وقبلوه بترحابٍ كبير.
وفي الوقت نفسِه، نبَّهني أساتيذي في القسم بندرة تلك المؤلَّفات المحقَّقة على القاموس المحيط، وأنَّهم لم يطَّلِعوا على المحقَّق منها سوى كتابين مطبوعين أو أكثر، فتوكَّلت على الله بعد تشجيع أستاذي المشرف، وعَقدت العزم على جمع المطبوع والمحقَّق منها (رسائل وأطاريح ونصوص محقَّقة في المجلات)، فاتصلت بعددٍ من الأساتيذ في الجامعات العربية، وألفيت منهم ترحابًا كبيرًا وسعة صدر، فأرشدوني إلى تلك المؤلَّفات وأماكن وجودها، واستطعت الحصول على أرقام هواتف بعضهم للاتصال بهم، وبعد جهد وافر استمر بحدود عشرة أشهر، استطعت الحصول على أكثر تلك المؤلَّفات المحقَّقة في الجامعات العربية إلّا بعضًا من أجزاء كتاب (إضاءة الراموس وإفاضة الناموس على إضاءة القاموس) لابن الطيِّب الفاسيّ، لصعوبة الحصول عليها من جامعة الأزهر، فضلًا عن ذلك قد ساعدني بعض الباحثين العراقيّين الذين يدرسون في الجامعات العربية في الوصول إلى بعض المؤلِّفين أنفسهم بعد التنسيق معهم عن طريق الاتصال، فتجشَّموا عناء السفر إلى مواطن سكناهم، والحصول على نسخٍ مصوَّرة من مؤلَّفاتهم القيِّمة.
وانصبَّ جهدنا على دراسة تلك المؤلَّفات المطبوعة والمحقَّقة، والغوص في بحورها، ومعرفة أفكار أصحابها، وما خلصوا واحتكموا إليه في مؤلَّفاتهم، فانكشف لنا أسلوبُهم في عرض الألفاظ، وطرائقهم التي اعتمدوا عليها في الشرح، واتَّضحت غاياتهم العديدة من التأليف على القاموس، فاتخذنا جانب التأليف شكلًا لموضوع الدراسة، والموضوعات التي ذكرها أصحاب المؤلَّفات مضمونًا في الدراسة.
وانتهجنا في أبواب الدراسة أنْ نجعلَ فصولها مقسَّمة بحسب الموضوعات التي وردت في مؤلَّفاتِ اللغويينَ على القاموس المحيط، مسبوقةً بمنهجهم في شرح ألفاظ الخطبة، وفي شرح الاصطلاحات، وفي النقد والاستدراك والاختصار، كذلك في الموضوعات التي اختاروها من القاموس وصنعوا مؤلَّفات لها، ولا بُدّ من التنبيه على أنَّنا اعتمدنا على المؤلَّفات اللغويّة التي أُلِّفت على القاموس المحيط منذ القرن العاشر الهجريّ إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجريّ، ولم نستعن بمؤلَّفات القرن الرابع عشر الهجريّ، التي من أهمها كتاب (الجاسوس على القاموس)؛ لأنّ أصحابها صُنِّفوا من المحدَثين([1]) في الدرس اللغويّ العربيّ، والأمر الآخر أنَّ الجاسوس أُشبِع بحثًا في الدراسات الحديثة، فضلًا عن أنَّه تضمَّنَ كلّ ما ذكره ابن الطيّب الفاسيّ في كتابه (إضاءة الراموس)، لكنّنا أفدنا منه في التحليل والتّعليق.
ومن منهجي في الدراسة انتقاء الألفاظ والمعاني التي تَعرَّض المؤلِّفون إليها بالشرح والنقد والاستدراك والاختصار والاختيار، وتصنيفها بحسب موضوعها الذي ورد في مؤلَّفاتهم، فذكرت مثالين لكلِّ موضعٍ منها في مباحث الدراسة وفصولها، واعتمدت على المنهج الوصفيّ القائم على التحليل في ذكر الألفاظ ودراستها، فضلًا عن المنهج النقديّ في الحكم بالصواب والخطأ على ما ذكره الفيروزآباديّ وشرّاح قاموسه ونقّاده.
ونهجت في مباحث الفصول أنْ أذكر قول الفيروزآباديّ في معجمه القاموس أوّلًا، ثمَّ قول الجوهريّ إنْ دعت حاجة إلى ذكره، ثم أقوال الّلغويين الذين ألَّفوا على القاموس، فإنْ كان هناك آراء أخرى في اللفظ لأكثر من مؤلِّف ذكرتُها، وعلى وفق التسلسل الزمني لوفيات أصحابها، وقد ألزمت نفسيّ بالعودة إلى أكثر المعجمات العربية، واستعنت أيضًا بكتب اللغة الأخرى وكتب الصرف والمؤلّفات المعجمية الحديثة وغيرها، إن دعت الحاجة إليها في تحليل الألفاظ التي شرحوها، ونقدوه بها، أو استدركوها عليه، والحكم عليها بالصواب أو الخطأ.
واعتمدت في دراستي على طبعاتٍ عدّة من القاموس المحيط، كان أكثرها اعتمادًا طبعة مكتب تحقيق التراث في مؤسَّسة الرسالة (1426ه)؛ لأنَّها قوبِلَت وصُحِّحت على أقدم طبعتين للقاموس، هما: طبعة بولاق (1272ه)، والطبعة الحسينيّة بالقاهرة (1330ه)، فإن ذَكر اللغويون مُشكلًا في هيئة بعض الكلمات أو جاء بعضُها بضبطٍ مختلفٍ في نسخ القاموس التي اعتمدوا عليها، عدتُ إلى طبعاتٍ أُخرى من القاموس، أهمها: طبعة بولاق (1301ه)، وطبعة مصطفى البابي الحلبي(دار الجيل)(1371ه)، وطبعة الهيئة المصرية العامّة للكتاب (1398ه)، وطبعة دار الفكر(1403ه)، وطبعة دار الحديث (1429ه).
وقد حصل بعض التفاوت في عددِ صفحات الفصول في البابين؛ بسبب تنوّع الموضوعات اللغويّة، ووفرتها في كلِّ بابٍ، فبعض الفصول جاءت صفحاتُها أقلّ من صفحات الفصول الأخرى، وذلك يعود إلى طبيعة المادّة العلميّة في مؤلَّفات اللغويّين، واتّجاهاتهم المتعدِّدة في التّأليف على القاموس المحيط، ولا بدُّ من الإشارة إلى أنَّ بعض شروح الخطبة انمازت بذكر موضوعاتٍ غير معجمية، نتج ذلك بسبب توسُّعهم واستطراداتهم في شرح ألفاظ الخطبة، حتى عدَّها بعض اللغويين من الموسوعات.
وعلى وفق ما نتج من مؤلَّفاتهم جاءت دراستنا على بابين، تسبقهما مقدّمةٌ، وتقفوهما خاتمةٌ:
انعقد الباب الأول على (شروح خطبة القاموس)، وجاء على خمسة فصول، وسم الأول بــ (مناهج التأليف في شروح خطبة القاموس)، والثاني بــ (ضبط ألفاظ خطبة القاموس)، ووسم الثالث بــ (طرائق شرح ألفاظ خطبة القاموس)، واخترت للفصل الرابع عنوان: (الموضوعات غير المعجميّة في خطبة القاموس)، وخُتم الباب بالفصل الخامس ذي العنوان: (اصطلاحات القاموس وضوابطه).
واتخذت للباب الثاني عنوان: (متن القاموس بين النقد والاستدراك والاختصار والاختيار)، وضمَّ في تضاعيفه أربعةَ فصولٍ، الأوّل:(مناهج التأليف في النقد والاستدراك والاختصار والاختيار)، والثاني: (نقد متن القاموس)، والثالث: (الاستدراك على متن القاموس)، والرابع: (اختصار القاموس وزياداته، والموضوعات المُختارة منه).
ثمَّ خاتمةً تضمَّنت أهم النتائج التي توصَّل البحث إليها.
وبعد هذا كانت أكثر الصعوبات التي واجهتها صعوبة الإلمام بكلِّ ما أُلِّف على القاموس المحيط، فأكثرها وأهمّها رسائل وأطاريح مودعة في مكتبات الجامعات العربية من المشرق العربيّ إلى المغرب العربيّ، وبعد أن يسَّرَ اللهُ تعالى تذليل المعوّقات والحصول على أكثرها، اعترضتنا صعوبة قراءة كلمات بعضها؛ بسبب آلة الطابعة القديمة، إذ حقِّقت في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، فضلًا عن استطرادات المؤلِّفين وتوسّعهم في الشروح والحواشي، فبعضها أربى على الألف، أو أكثر من ذلك، مع ذلك يسَّرَ اللهُ علينا قراءَتها، واستخراجَ المفيد منها.
([1]) ينظر: في المعجمية العربية المعاصرة:1/5، وفي الأدب الحديث:1/67، والفكر العربي في عصر النهضة: 135.
