المستخلص
تمثل القصة القصيرة بنية جمالية قادرة على تحويل اليومي العابر إلى علامة كاشفة عن الحياة في عمقها الوجودي والمتخيّل، فهي لا تكتفي بتمثيل الواقع بل تعيد تشكيله في صورة درامية مكثفة، تجعل من الحدث المحدود فضاءً لجدل الصراعات المتعددة التي تميز التجربة الإنسانية، ومن هنا اكتسبتْ القصة القصيرة أهميتها، إذ غدت مرآة تكشف تناقضات الحياة وتعيد مساءلتها برؤية تتجاوز المباشر إلى الباطني، غير أنّ هذا النّوع السّردي لم يبقَ ثابتاً، بل عرف تحولات لافتة عبر مراحله الثلاث: ما قبل الحداثة، الحداثة، وما بعد الحداثة، فدراسة القصة القصيرة في العراق تكشف عن كونها خطاباً متحوّلاً، متجدداً في أساليبه وتقنياته، ليغدو شكلاً سردياً لا ينفصل عن دينامية الواقع وتحولاته المستمرة.
انطلقت الأطروحة من جملة أسئلة محورية تروم تفكيك تحولات القصة القصيرة في العراق، واستجلاء آليات بنائها الجمالي: كيف تتجلى تحولات الرؤية في القصة العراقية ضمن مشروع المختارات القصصية، وما أثر هذه التحولات في بناء الخطاب السردي وآلياته الجمالية؟ وما أنماط الرؤية المهيمنة. وكيف تُنتج هذه الرؤية بنيات سردية جديدة؟ وما علاقة التحوّل بالرؤية بالتحوّل الثقافي الإنساني؟ تنوعت خطوات البحث في الأطروحة تبعاً لطبيعة التّساؤلات المطروحة، فجاءت بنيتها متسقة مع مسارها المنهجي، إذ قُسِّمت على تمهيد وأربعة فصول، وتفرّع كل فصل منها إلى مبحثين، بما يتيح مقاربة الموضوع في مستوياته النظرية والتطبيقية على حدّ سواء، وتقف الدراسة على منجز إبداعي محدد وهو -مشروع المختارات القصصية- ذا الحسّ الإنساني الذي أحاط بتحوّلات الفكر العراقي، شكّلت قصصهم خصوصية تعبّر عن التحوّلات والإسقاطات التي يتعرض لها القاص، ويمكن عدّ صوتهم من الأصوات المنبثقة لإثبات القدرة على إنتاج رؤية خاصة بكيانها المستقل؛ إذ يعدُّ مشروع المختارات القصصية مشروعاً جديداً يفضي بدراسات مهمة في هذا الجانب، لذا جاءت الرغبة في اختياره عينة للدراسة، ومما زاد تمسك الباحثة بهذا الموضوع، واتخاذه ميداناً للبحث والدراسة- عدم وجود دراسة قائمة على رصد تحولات الرؤية وآليات البناء في القصة العراقية القصيرة في هذا المشروع خصوصاً على حدّ إمكانات الرصد الذي استندتُ إليها.
اعتمد البحث منهجاً هجيناً يجمع بين البناء والرؤية ليتحقق عن طريق (البُعد السوسيو-نصّي)، وقد سعينا إلى اكتشاف طبيعة العلاقة بين الرؤية والبناء في القصص القصيرة ضمن مشروع المختارات للوصول إلى المقاصد القصصية، وقدمت الدراسة نفسها في الجانب التنظيري- التطبيقي لإرساء هذه الأفكار في مشروع المختارات القصصية لفتح نافذة جديدة تمكن الباحثين من الوقوف عند هذه التحولات بوصفها عملاً نقدياً كلياً قائماً بذاته.
وقد اختص التمهيد المعنون: (القصة القصيرة- التّجنيس والرّؤية)؛ الكشف عن نشأة القصة القصيرة وجذور التّجنيس في الأدب الغربي والعربي ثمَّ العراقي، وتتبع الإشكالات التي أحاطتْ به، ثمَّ تتبع مصطلح الرّؤية بنوعيها (رؤية العالم، ورؤية النص المتخيّل)…، وقد حاول الوقوف على خصوصية مشروع المختارات القصصية.
وما يخص تحولات الرؤية، يحاول الفصل الأول المعنون: (تحولات الّرؤية)، الذي تضمن توطئة ومبحثين: الأول: (الرؤية الواقعية (محاكاة خارج النّص))، السعي إلى دراسة القصة القصيرة من حيث علاقتها المباشرة بالواقع والمتغيّر الاجتماعي وغيرها من القضايا التي مسّتْ الواقع، وخصص المبحث الثاني: (الرؤية المتخيّلة (محاكاة نصيّة) للكشف عن الهُويَّة الذاتية وعلاقتها بالواقع، وأثره في تشكيل هُويّة القاص بوصفه صوتا مولّدا لاكتشاف الذات، أمَّا الفصل الثاني بعنوان: (تجديد الرؤية) فقد تتبع طرائق تمظهرات الرّؤية المتجددة بتوجهين (الخارجي والداخلي)، وجاء على توطئة ومبحثين: الأول: (الرّؤية السّحرية) وكشف عن القصص ذات الواقع السحري؛ إذ استثمر القاص الخرافات والحكايات الشعبية وبثّ عن طريقها الذات القاصة موقفها ومطالبها بطريقة خفيّة لأجل أنْ يخرج من الواقع ثمَّ الانتقال من المألوف إلى اللامألوف، أمَّا المبحث الثاني: (الرؤية خارج المحلية (نحو رؤية كونية))، ففيه عملية انتقال درجة الكتابة نحو رؤية كونية متحررة من محلية الزمان والمكان.
أمَّا آليات البناء فقد خصص الفصل الثالث المعنون بـ : (آليات البناء السّردي)، بتتبّع التحوّلات النّصية التي أثّرت بشكل واضح في كتابة القصص، وطريقتها في تحقيق البُعد المتجدد، لذا جاء على توطئة ومبحثين: الأول: (الراوي)، وقد رصدنا تعددية طريقة بناء القصص، وكيفية اتحادها مع بعضها، وأظهر المبحث الثاني: (المروي) الذي خصص لدراسة الشخصية والحدث والزمان والمكان، التي أدّت إلى ظهور دلالات جسّدت الأبعاد الثقافية والاجتماعية للواقع وخصوصيتها في القصة العراقية القصيرة.
في حين تخصص الفصل الرابع: (التّفاعلات النّصيّة) بتتبع العلائق النّصيّة وهو على مبحثين، الأول وهو بعنوان: (بنية ما وراء السّرد) وقد رصد جدلية الكتابة داخل الكتابة بطرائق مختلفة تسعى للكشف عن الذات وتعرية الواقع والتاريخ، ومشاركة القارئ في داخل النص، وأظهر المبحث الثاني المعنون بـ : (التداخل النّصيّ) مدى وعي النّص بغيره، أي علاقة نص لاحق بنص سابق، ومن ثمَّ تبعنا الدراسة بخاتمة تضمَّنت أبرز النتائج التي توصّلت إليها الباحثة، أعقبتها قائمة شاملة بالمصادر والمراجع التي أسهمتْ في إغناء البحث.
