المستخلص
تُستخدم العناصر الفولاذية على نطاق واسع في الأعمدة والعوارض بسبب كفاءتها الإنشائية العالية وسهولة تنفيذها. ومع ذلك، لا تزال مقاومة الهياكل الفولاذية للحريق تمثل مصدر قلق كبير، إذ يفقد الفولاذ غير المحمي خواصه الميكانيكية بسرعة عند درجات الحرارة المرتفعة. وقد أدّت عدة انهيارات إنشائية ناتجة عن الحرائق إلى خسائر بشرية واقتصادية جسيمة، مما يؤكد ضرورة أخذ تأثيرات الحريق بنظر الاعتبار في التصميم الإنشائي. وعلى الرغم من ذلك، فإن العديد من المنشآت مثل الهياكل المؤقتة ومواقف السيارات تبقى جزئيًا أو كليًا دون حماية، مما يزيد من قابليتها لعدم الاستقرار الناتج عن الحريق. ويُعد الانبعاج تحت تأثير الحريق من أخطر آليات الفشل، إذ يؤدي التدهور الحراري في إجهاد الخضوع ومعامل المرونة إلى حدوث الانبعاج المبكر. تهدف هذه الدراسة إلى التحليل العددي لسلوك الانبعاج للأعمدة الفولاذية المجوفة المعرضة للتحميل المحوري تحت تدرجات حرارية غير متماثلة وغير خطية باستخدام برنامج العناصر المحددة ABAQUS 2019.
في البداية تم التحقق من صحة النماذج العددية المطوَّرة من خلال مقارنتها مع نتائج تجريبية منشورة في الأدبيات العلمية، حيث أظهرت توافقًا جيدًا. بعدها تم تحليل ما مجموعه 36 نموذجًا عدديًا مع الأخذ بنظر الاعتبار أربعة متغيرات رئيسية: درجات الحرارة (20°م، 400°م، و800°م)، نسب القطر إلى السمك (D/t = 25، 50، و75)، أطوال الأعمدة التي تراوحت بين 0.8 م و5.0 م، وثلاثة أنماط للتعرّض للحريق هي: التسخين الكامل، ونصف السطح، وربع السطح. أظهرت النتائج أن زيادة درجة الحرارة تؤدي إلى انخفاض كبير في أقصى حمل انبعاجي، حيث بلغ الانخفاض حوالي 20% عند 400°م، ثم ارتفع بشكل حاد ليتجاوز 80–85% عند 800°م، وذلك تبعًا لطول العمود ونسبة القطر إلى السمك . وقد تبيّن أن الأعمدة القصيرة ذات الجدران الرقيقة أكثر عرضة للانبعاج المحلي وعدم الاستقرار البلاستيكي عند درجات الحرارة المرتفعة، في حين أظهرت المقاطع الأكثر سمكًا استقرارًا محليًا أعلى نتيجة لصلابتها المقطعية الأكبر. في المقابل، كانت الأعمدة الطويلة محكومة أساسًا بالانبعاج العام (انبعاج أويلر)، وأبدت حساسية كبيرة لارتفاع درجة الحرارة وعدم انتظام التوزيع الحراري.
كما أظهرت الدراسة أن التعرّض الجزئي أو الموضعي للحريق يقلل بشكل ملحوظ من فقدان القدرة التحميلية مقارنة بالتسخين الكامل، حيث وصلت زيادات المقاومة في بعض الحالات إلى أكثر من 200–400%، إلا أن هذه الحالات قد تؤدي رغم ذلك إلى فقدان مفاجئ للاستقرار إذا لم تؤخذ صراحة في التصميم الإنشائي. وأظهرت المقارنة مع منحنيات الانبعاج القياسية في الكود الأوروبي (Eurocode 3) أن متطلبات التصميم الحالية قد تبالغ في تقدير المقاومة المتبقية للأعمدة الفولاذية تحت ظروف الحريق غير المتماثل والموضعي بحوالي 10–20% عند درجات الحرارة المتوسطة (نحو 400°م)، وتصل هذه الفجوة إلى 25–30% عند درجات الحرارة العالية (800°م). ويعود ذلك إلى عدم تمثيل العيوب الابتدائية والتأثيرات الحرارية غير المنتظمة بشكل كافٍ في الصياغات الحالية للكود. وبناءً على ما تقدم ، تؤكد هذه الدراسة ضرورة تطوير نماذج تصميم مقاومة للحريق تأخذ في الحسبان التدرجات الحرارية الواقعية، والسلوك غير الخطي للانبعاج، والعيوب الهندسية، كما أظهرت ذلك النتائج العددية، من أجل ضمان سلامة وموثوقية المنشآت الفولاذية المعرضة لدرجات حرارة مرتفعة وغير منتظمة.
