المستخلص
فيُعدُّ الحجاج من النظريات المهمة في الدراسات اللسانية المعاصرة؛ إِذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتداولية؛ لما للّغة من طابع حجاجي غايته التأثير في المتلقي وإقناعه عبر إقامة علاقات بين الحجج والنتائج داخل العملية الخطابية، فلا يُنظر إِلى الحجاج بوصفه عنصرًا مضافًا إِلى الخطاب، بل أداة أساسية تقوم عليها عملية التواصل عند تحليل الخطاب، وقد أَسّس (ديكرو) الحجاج اللغوي الذي يقوم على علاقة بين الجمل والأقوال فتصبح بعضها حججًا وبعضها الآخر نتائجًا لها، فالحجاج عنده مقصور على اللّغة، غير أنّ هذا التصور لم يلبث أن تطور فلم يعد مقتصرًا على الجمل، بل اتسع ليمتد من اللّغة إِلى الخطاب ثم الذهن والمعرفة، ويعزى هذا التطور إِلى أستاذنا الدكتور المغربي
د. (أبي بكر العزاوي) مستمدًا من أفكار أستاذه (ديكرو) في نظريته (الحجاج اللغوي)، فذهب إِلى أنّ اللّغة حجاجيّة في طبيعتها، إِذ تبدأ من التصورات الذهنية داخل العقل ثم تُصاغ لغويًا بعد تشكّلها في الذهن، فالحجاج يرتبط بأبعاد معينة تبدأ من بنية اللّغة فتتوسع؛ لتشمل كلّ النصوص والخطابات والذهن والتصورات، ليغدو الحجاج بذلك حجاجًا شموليًا، ومن أبرز ما أضافه الدكتور (أبو بكر العزاوي) أنَّ اللّغة لا تقوم على البنية اللّغوية وحدها، بل ترتكز كذلك على التصورات الذهنية التي تسهم في تشكّيل المعنى، فلا تقف عند حدود الجملة بل تتوسع؛ لتشمل الخطاب وكلّ النصوص، أمّا نظرية القوالب التي ظهرت عند (جان كلود أنسكومبر) و(هيلاري بوتنام) وغيرهما في اللسانيات الحديثة، فترى أنَّ معنى الكلمة لا يقتصر على قالب ثابت، بل على مجموعة من الجمل والتمثلات، يتم فهمها عن طريق نماذج جاهزة وصور ذهنية مشتركة داخل مجموعة لغوية معينة، وبذلك يصبح المعنى ما نتصوّره عند سماع كلمة معينة، في حين يُحيل المرجع إلى ما تشير إليه الكلمة في الواقع، الأمر الذي يفسر اشتراك الناس في المعنى، واختلافهم مع المرجع.
ومن أهم الأسباب التي قادتنا لاختيار موضوعنا الموسوم بـ(تطور الحجاج اللغوي إِلى نظريتي الحجاج الموسّع والقوالب) انجذابنا إِلى الحجاج نفسه بوصفه مدخلًا لفهم الخطاب من منظور جديد ومختلف، فضلًا عن أهميته في تحقيق الإقناع في الحياة اليومية، إِلى جانب حداثة نظرية القوالب في الدراسات اللسانية، ومحاولة الكشف عمّا تضيفه كلٌّ من نظرية الحجاج الموسّع ونظرية القوالب إِلى هذا الحقل المعرفي.
أمّا المنهجُ المتَّبعُ في هذه الدراسة هو المنهجُ الوصفيُّ القائمُ على التحليل.
واقتضت طبيعة الدراسة أن تُبنى على مقدّمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة استخلصت فيها أهم ما توصَّلت إليه في هذه الدراسة من نتائج تعقبها ثبت المصادر والمراجع.
أمّا التمهيد: فتناولت فيه مفهوم الحجاج ونظرياته وقُسّم على محورين: تناولت في المحور الأول: المفاهيم الأساسية للحجاج، بينما خُصّص المحور الثاني لعرض أبرز النظريات الحجاجيّة.
وجاء الفصل الأول بعنوان (نظرية الحجاج أسسه وبِناه) وقسم على ثلاثة مباحث تناولت في المبحث الأول: نظرية الحجاج اللغوي، وفي المبحث الثاني درست أسس الحجاج، وفي المبحث الثالث درست بِنى الحجاج اللغوي.
أمّا الفصل الثاني فحمل عنوان (نظرية الحجاج الموسّع) وقسم على أربعة مباحث: تناولت في المبحث الأول الحجاج الموسّع حجاج لغوي خطابي، وفي المبحث الثاني الحجاج الموسّع حجاج معرفي ذهني تصوّري، وفي المبحث الثالث الحجاج الموسّع حجاج تداوليّ، وفي المبحث الرابع الحجاج الموسّع حجاج شمولي.
وجاء الفصل الثالث بعنوان (نظرية القوالب) وقسم على أربعة مباحث تناولت في المبحث الأول الصورة النمطية، وفي المبحث الثاني نظرية القوالب بين المعنى والمرجع، وفي المبحث الثالث تعدد المعاني في نظرية الصور النمطية، وفي المبحث الرابع نظرية الصور النمطية والحجاج في اللّغة.
ثم اتبعتُ الفصول الثلاثة خاتمة استخلصت فيها أهم ما توصَّلت إليه الباحثة من نتائج. يعقبها ثبت المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها الدراسة، ومنها دراسات سبقت دراستي وعلى صلة بموضوعي من أبرزها
- الاستعارات التي نحيا بها: جورج لايكوف، ومارك جونسن.
- اللسان والميزان أو التكوثر العقلي: طه عبد الرحمن.
- اللّغة والحجاج: أبو بكر العزاوي.
- الخطاب والحجاج: أبو بكر العزاوي.
- استراتيجيات الخطاب: عبد الهادي بن ظافر الشهري.
- الحجاج مفهومه مجالاته: حافظ إسماعيل عليوي.
- التحاجج طبيعته ومجالاته ووظائفه: حمو النّقّاري.
- الحجاج الموسع الأسس والمبادئ: أبو بكر العزاوي.
- الحجاج اللغوي قراءات في أعمال الدكتور أبو بكر العزاوي: حسن مسكين.
وغير ذلك من المصادر والمراجع المهمة.
ومع ذلك فقد واجهت الدراسة جملة من الصعوبات، تمثلت في جدة الموضوع وصعوبة الإلمام بالأفكار الشخصية للعلماء التي ما زالت في طور التطور والتبلور، وتشعب موضوع النظرية وتداخل مفاهيمها مع العلوم والنظريات الأخرى، وتداخل مفاهيم النظرية وعدم الاتفاق على تسمية موحدة وتحديدًا المترجمة من الفرنسية، نتيجة اختلاف المفاهيم والمصطلحات من باحث لآخر لاختلاف الترجمة، ومن الصعوبات التي واجهت الدراسة أيضًا ترجمة كلّ ما يتعلق بنظرية القوالب النمطية وقد بذلت جهدًا كبيرًا في الحصول على أبرز بحوث (جان كلود أنسكومبر) والعمل على ترجمتها، والإفادة منها لما تمثله من أهمية علمية، فضلًا عن تكرار الأمثلة أنفسها بين الباحثين فكلّ من كتب في الحجاج اللغوي سار على نهج د.(العزاوي) ولم يأتِ بجديد إلا في مجال الدراسات التطبيقية.
