المستخلص
حظيت الدولة الاسلامية في عصري النبوة والخلافة الراشدة (1-41ه/622-661م)، باهتمام واسع في الدراسات التاريخية؛ لما تمثله من تجربة فريدة في تاريخ بناء الدول وتطورها، اذ استطاعت خلال مدة زمنية وجيزة الانتقال من مجتمع ناشئ محدود الامكانيات الى دولة ذات حضور سياسي وعسكري واسع، امتد تأثيرها الى مناطق جغرافية متعددة، واسهم في اعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ولم يكن هذا التحول التاريخي وليد الصدفة او نتيجة ظروف عابرة، بل جاء نتيجة ثمرة منظومة متكاملة اعتمدت اثر الحراك العسكري والمعاهدات السياسية بوصفهما اداتين متكاملتين في بناء الدولة ، وادارة شؤونها الداخلية والخارجية.
فقد مثلت السرايا والغزوات في عصر النبوة إطارا عملياً لتثبيت دعائم الدولة الاسلامية، وتعزيز امنها الداخلي، وتأمين محيطها الجغرافي ، واعداد القوى البشرية القادرة على حمل رسالة الدولة والدفاع عنها.
وفي المقابل، لم تقتصر سياسة الدولة الاسلامية على تكييف القوة العسكرية فحسب، بل اقترنت بإبرام المعاهدات والمواثيق التي اسهمت في تنظيم العلاقات مع القبائل والقوى السياسية المجاورة، وتحقيق الاستقرار الداخلي ، وتهيئة الظروف الملائمة لتوسيع نطاق الدولة وترسيخ نفوذها.
وقد استمر هذا النهج خلال عصر الراشدين الذين واصلوا البناء على الاسس التي ارساها النبي محمد(r)، من خلال اعتماد سياسات عسكرية وادارية اسهمت في نجاح حركة الفتوحات الاسلامية، واعادة رسم معالم الدولة سياسيا واداريا، وانطلاقاً من اهمية هذه الجوانب في فهم آليات بناء الدولة الاسلامية وتطورها جاءت هذه الاطروحة الموسومة بـــــ🙁 اثر الحراك العسكري والمعاهدات في قيام الدولة خلال عصري النبوة والراشدين(1-41ه/622-661م)، في تشكيل الدولة الاسلامية خلال عصري النبوة والخلافة الراشدة؛ لتسليط الضوء على الاثار العسكرية والدبلوماسية في ترسيخ اركان الدولة وتوسيع نطاق نفوذها.
– موضوع الدراسة( مشكلة الدراسة):
تتمثل مشكلة الدراسة في وجود تباين في تناول الدراسات التاريخية لأثر الحراك العسكري والمعاهدات في تشكيل الدولة الاسلامية خلال عصري النبوة والخلافة الراشدة، اذ ركزت معظم الدراسات على الجوانب العسكرية المرتبطة بالغزوات والسرايا والفتوحات الاسلامية، او تناولت المعاهدات والصلح بوصفها موضوعات مستقلة، من دون ايلاء اهتمام كافِ للعلاقة التكاملية بين هذين الجانبين واثرهما المشترك في بناء الدولة الاسلامية وترسيخ دعائمها السياسية والادارية والامنية.
ومن هنا تسعى هذه الدراسة الى معالجة هذا القصور من خلال بيان اثر الحراك العسكري والمعاهدات بوصفهما اداتين متكاملتين في رسم السياسة العامة للدولة الاسلامية، والكشف عن مدى اسهامها في تعزيز الاستقرار الداخلي، وتنظيم العلاقات الخارجية، وتوسيع نطاق النفوذ السياسي للدولة الاسلامية خلال المدة الممتدة (1-41ه/622-661م).
– اسباب اختيار الموضوع
1. ابراز الحكمة النبوية والراشدة، فالموضوع يظهر كيف جمع النبي(r)، والخلفاء الراشدون بين القوة العسكرية والمرونة الدبلوماسية ، فالمعاهدات مثل الحديبية عام(6ه/627م)، ومعاهدة قبرص عام(29ه/649م) لم تكن ضعفاً، بل جزء من قدرة شاملة للتمكين وحقن الدماء.
– أهمية الدراسة
تتبين اهمية الموضوع في تعلقه في بيان اثر مرحلة الفتوحات الإسلامية وبحسب النقاط الاتية:
- انطلقت الدراسة من فرضية مفادها ان الفتوحات الاسلامية لم تكن نتاج ظروف طارئة او احداث عفوية، بل جاءت ثمرة ذات آثار بعيدة المدى ارسى اسسها النبي محمد(r)، ضمن اطار متكامل من التخطيط العسكري.
- تسهم في اعادة قراءة احداث العصرين النبوي والراشدي من منظور يجمع بين البعدين العسكري والدبلوماسي، بعيداً عن المعالجات الجزئية التقليدية.
- 3- تسد فجوة معرفية في الدراسات التاريخية التي تناولت الجوانب العسكرية والمعاهدات كلُ على حدة، من خلال دراستهما ضمن اطار تاريخي موحد.
- 4- تقدم اسهاماً علمياً في فهم آليات بناء الدولة الاسلامية وتطور مؤسساتها خلال الفترة الممتدة.
– اهداف الدراسة:
لقد تركزت همتنا في تناول احداث هذا الموضوع في رغبتنا في تحقيق الاهداف المنشودة التي انضوى تحتها عنوان الدراسة، وهي:
1- لفت انظار الباحثين والمؤرخين، الى الاعتناء بعمق في دراسة مضامين الفتوحات الاسلامية وما آلت اليها، في محاولة لرسم معالم دراسة جديدة تحت مسميات اخرى تشكل منها هيكل وموضوعية الدراسة.
2- تستمد الدراسة الحالية هدفها بإعطاء صورة واضحة عن تجميع المعلومات المتناثرة والمتعلقة بالموضوع من المصادر والمراجع، فهناك حاجة إلى دراستها وتجمعها وإعطاء صورة واضحة وشاملة عن الدراسة؛ لأجل بيان الجانب العسكري الذي هو مدار الدراسة عن الفتوحات الاسلامية.
3- اظهار التعاون السياسي والعسكري في عقد المعاهدات، من اجل الوقوف على الآثار التاريخية في المستقبل.
4- الوقوف على اهمية الدراسة المستوحاة من الواقع التاريخي، التي سخرت ارضية متكاملة من النشاطات في فهم الحدث التاريخي بمنهجية الدراسة من زاوية اخرى، محققا الاثر والبعد العسكري لها، تاركاً بصمة في العمق التاريخي يكتب لها النجاح.
– منهج الدراسة:
ومن المناهج التاريخية التي تم اعتمادها في الدراسة هي:
1- المنهج التاريخي: اعتمدت الدراسة المنهج التاريخي بوصفه المنهج الرئيس في تتبع احداث عصري النبوة والخلافة الراشدة، من خلال جمع المادة العلمية المتعلقة بالحراك العسكري والمعاهدات من مصادرها الاصلية والمراجع الحديثة، ومقارنتها وبيان نظرتها وفق التسلسل الزمني للأحداث.
