You are currently viewing أطروحة دكتوراه امل ذياب / بعنوان: بطرس توديبود وكتابه (تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس) دراسة تحليلية نقدية

أطروحة دكتوراه امل ذياب / بعنوان: بطرس توديبود وكتابه (تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس) دراسة تحليلية نقدية

المستخلص

       تعد الحركة الصليبية من الحركات العالمية الخطيرة التي عُني بها الكُتّاب والمؤرخين في الشرق والغرب عناية لم تنلها حركة أخرى حتى وقتنا هذا ، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ما لها من طابع خاص وأهمية بالغة في تطور سير الأحداث وفي تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب ، والجدير بالذكر أن الحملة الصليبية الأولى 490-493هـ/1096-1099م كانت الأوفر حظًا من غيرها ، إذ أفرزت نتاجًا أدبيًا لاتينيًا ضخمًا أمدنا بالمادة العلمية الوفيرة ، فقد حظيت هذه الحملة بعناية الكُتّاب والمؤرخين الغربيين ، وشكلت قاعدة لمادة أساسية في الفكر والدوافع الصليبية ، فضلًا عن رسم صورة للعلاقات بين الصليبيين والمسلمين من جهة وبين الصليبيين والبيزنطيين من جهة أخرى ، إذ عكف بعض من شاركوا في هذه الحملة على تسجيل أحداثها وأعمال الفرنجة في الشرق الأدنى الإسلامي منذ قدومهم إليه وحتى تثبيت أقدامهم فيه ، وقد شكلت كتبهم مصادر مهمة تحكي لنا قصة هذه الحروب التي فرضت واقعًا جديدًا من الأحداث التاريخية المتعلقة بها ، ويبرز من بين المشاركين في أحداث هذه الحملة المؤرخ بطرس توديبود صاحب كتاب (تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس) الذي دون مشاهداته وانطباعاته عن سير أحداث هذه الحملة مسجلًا في اعتقاده صورة حيّة عن مساراتها . ومن هنا برزت أهمية هذا الكتاب وضرورة الوقوف على رواياته لتشكل لنا دافعًا للدراسة من أجل فك حالة التزاوج الحاصل بين المشاهدة وتسجيل الأحداث استنادًا لها وما تحمله صفة هذا المؤرخ الدينية وأرثه الثقافي والديني، باعتباره رجل دين ، وهذا ما شكل لدينا حاجة منهجية وعلمية للغور في أعماق ما حمله هذا الكتاب من نصوص وروايات من أجل وضعها ضمن السياق الصحيح ، من خلال الاستعراض ثم التحليل والنقد لها ، لعلّنا نصل إلى الهدف في إعادة قراءة هذا الحدث التاريخي المهم الذي تناولته الكثير من المصادر ، سواء كان ذلك اللاتينية أو الإسلامية . وقد ارتأينا في هذه الدراسة التعريف بالمؤرخ بطرس توديبود وبيان وجهة نظره تجاه أحداث الحملة الصليبية الأولى 490-493هـ/1096-1099م ، ودراسة الكتاب شاملًا من حيث الأهمية والموارد التي اعتمد عليها ، فضلًا عن بيان وجهة نظره حيال الأحداث التي ذكرها تحليلًا ونقدًا سواء أكانت إيجابية أم سلبية ، وبيان مدى موضوعيته في الكتابة ، وهل أثرت مكانته الدينية بكونه رجل دين وقس نصراني على كتاباته ، فكتابه هو الإنتاج الوحيد الذي بين أيدينا عنه ، إذ بدأ كتابه بدعوة البابا أوربان الثاني لسكان غرب أوروبا للاشتراك في الحملة الصليبية الأولى واستعداد الغرب للرحيل إلى الشرق ، كل ذلك يأخذ شكل مقدمة سريعة لا تشتمل إلا على الضروري والمختصر من المعلومات ، كما لم يبدأ المؤلف تاريخه بصورة حقيقية إلا عند حديثه عن وصول الأمراء الصليبيين إلى القسطنطينية في 23/أيلول/1096م  وينهي توديبود مؤلفه بالحديث عن معركة عسقلان في 12/آب/1099م التي أنتصر فيها الصليبيون على قوات الوزير الفاطمي الأفضل .

       وهنا لابُّد من الإشارة إلى أن هناك دراسات سابقة تناولت جوانب مهمة من أحداث الحروب الصليبية ، وكان لزامًا علينا أن نشير إلى بعضها كدراسة الباحث (نبيل محسن خلف) من جامعة بغداد – كلية الآداب بعنوان (فوشيه الشارتري مؤرخًا للحملة الصليبية الأولى ومملكة بيت المقدس 488-521هـ/1095-1127م) ، ودراسة الباحثة (إيمان محمد فوزي محمد) من جامعة بني سويف مصر – كلية الآداب ، بعنوان (منهج بطرس توديبود في كتابه تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس ومقارنته بما عاصره من مصادر) ، ودراسة الباحث (محمود فياض حمادي الزوبعي) من جامعة بغداد – كلية ابن رشد ، بعنوان (المقاومة العربية الإسلامية للغزو الصليبي حتى معركة حطين) ، وقد أفدنا من بعض الجوانب من هذه الدراسات .

       جاءت الأطروحة بعنوان (بطرس توديبود وكتابه تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس دراسة تحليلية نقدية) ، وقد حرصنا على الإجابة على العديد من التساؤلات والاستفهامات التي أُثيرت حول هذا المؤلف من أجل الوصول إلى المكانة الحقيقية له من بين مؤرخي الحملة الصليبية الأولى . وكانت فرضيتنا في البحث (أن بطرس توديبود رغم كونه قسًا نصرانيًا ومشبع بالأفكار الدينية الكاثوليكية ورغم ما قدمه من روايات مؤطرة بإطار الدين إلا أنه كان موضوعيًا في الكثير من الأحداث التي ساقها في كتابه) ، ولم تكن الإجابة سهلة على هذا التساؤل الذي وضعناه ، والذي تطلب جهدًا استثنائيًا معتمدًا على التحليل والاستنتاج والتقصي رغم ما واجهنا من صعوبات منها شحة المعلومات التي تتعلق بشخصية توديبود ، وما أحاط ذلك من غموض سوى ما وجد مكتوبًا في كتابه . واقتضت طبيعة الدراسة تقسيمها إلى تمهيد وأربعة فصول وخاتمة لأهم الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة وقائمة بأهم المصادر والمراجع المستخدمة ، وملخص الأطروحة باللغة الإنكليزية .

       تناولت في التمهيد عرض لأهم مصادر الحروب الصليبية من أجنبية وعربية ، خصص الفصل الأول لدراسة (كتابات المؤرخ بطرس توديبود وقيمتها العلمية لدى مؤرخي وشهود العيان للحملة الصليبية الأولى) ، وقسمناه إلى ثلاثة مباحث ، الأول تحدث عن سيرته ومكانته لدى مؤرخي الحملة الصليبية الأولى . أمّا المبحث الثاني فقد تناولنا فيه أهمية الكتاب وموارده التي كانت معتمدة على المشاهدة والمشاركة والمعاينة كذلك المشافهة والسماع وبعض المصادر القديمة . أمّا المبحث الثالث فقد تضمن أسلوب ومنهجية توديبود في كتابه .