المستخلص
يعدُ الشَّعر التَّسعيني في العِراق واحدًا من المُمثلات المُهمة والخطوط الرئيسة للثقافة العراقية المُعاصرة على مستوى مُتقدم هذا بعد أن حددنا التجييلية التي تقلل من ديمومة الشعر بخروجنا إلى فضاء زمني أكثر اتساعًا في تلقيهِ على مُستوى النقد المعرفي، والشعر التسعيني الذي نشر في التسعينيات وهو يتفيأ تحت مَظلة الكثير من الشُعراء الذين سنكشف عن نصوصهم في هذه الأطروحة موزعين النَّصوص بما ينسجمُ مع الرَّؤية النقدية الدقيقة، وبما يرتبط مع منهجيّة النقد المعرفي.
فالبحث عن قيمة النص الشعري العراقي التسعيني أخذنا إلى مدى مختلف تمامًا ابتعد في الدراسة عن فنيته، وما يحملهُ من قيمة علمية – معرفية بعد اكتشافنا لهذا الخزين المعرفي في النص نفسه، وهو يمثل الحياة العراقية بكل تفاصيلها بأدق صورة ممكنة إلى ذاك الزمن الذي تمثل بمحمولات هذا النص الذي اقترب كثيرًا من تفاصيل اليومي والشعبوي.
ولقد انماز التسعينيون بإنتاجية عالية المستوى أمام حقبة ضاغطة بكل مآلاتها وإسقاطاتها الثقافية أن جعل منهم جيلاً مهماً ليس بالهين على مستوى الثقافة العراقية.
ومما يؤكد ذلك أن الشعرية العراقية الخاصة بالجيل التسعيني وضعتنا بمشغل مستمر أمام الأسئلة الكونية الوجودية بعالم معرفي متسع بما يحيطهُ من الأيديولوجيات ومهيمنات اليومي والشعبي على نحو جليّ.
إن البحث فيما وراء المخيلة التسعينية الخاصة بالشعر أنتج لنا اكتشافات جادّة بما مثل انسياقها إلى العبثية، والتعددية المتحصلة خلف العديد من القصائد التي كتبها رواد الجيل وتابعيه، فهي لامست روح المعرفة مع رصد النقطة المهمة إنها ذهبت إلى عوالم الأحجية والألغاز بوصفها مبتكرات على مستوى متقدم.
مع إدراكنا أن الخطاب الشعري التسعيني لم يبقَ عائمًا بنفسه أبدًا، بل حافظ على رتابة التناول في زوايا مناطق المعرفة متجهًا إلى العلوم الإنسانية من جهة والعلوم التجريبية الصرفة من جهة أكثر أخذًا من موادها، ومصطلحاتها، ومفاهيمها، ونظرياتها.
إن الكشف الموضوعي النقدي الذي اشتغلنا عليه تحت أفقية النقد الشعري المعرفي بعمودية النصوص التسعينية أوصلنا إلى نتيجة مفادها أن التجربة التسعينية تجربة ذات بعد مختلط ما بين المعرفي والثقافي قام على معاينة الواقع تحت مجهرية الخيال بعلاقة أفق الحداثة من جهة واستثمار القيم المعرفية من جهة مقابلة هذه القيم التي انسلت كثيرًا عبر المجالات ومرحلة التسعينات مرحلة مفصلية تعكس عمق التغييرات التي مرّ بها المشهد الثقافي والأبعاد المعرفية تمثل برغبتهم في تجاوز الصياغات الجمالية التقليدية نحو لغة تستثمر العلم والتاريخ والعلوم الإنسانية لتقديم رؤى أكثر عمقًا والبعد الثقافي في استلهام الذات والمعاصرة والانفتاح على الفكر العالمي .
وهذه الأبعاد التي يمكن رصدها تحت مسمى (الأبعاد المعرفية) جاءت محمّلة ببشارة النصّ الشعري، وجدَّته، وقدمت إضافة نوعية مغايرة تمامًا بدءًا بالموازنة مع الأجيال التي سبقت التسعينيين، وما بعدها مقارعة المتون الأخرى غير الشعرية عبر المواد السردية لا البناء السردي تلك المقارعات حملت قيمًا معرفية صريحة لا يستهان بها على مستوى التتبع النقدي.
إن ما نحاول بحثه متأت ٍ من سؤالين مركزيين قامت عليهما هذه الأطروحة: أولهما التي تبحث في القيمة الحقيقية التي يحملها الشعر العراقي التسعيني؟ والأخرى الكشف عن الإجراءات، أو ما الآليات المعرفية التي نستطيع بها أن نفكك بها هذا المتن الشعري بمعنى آخر كيف يمكن لنا اجتراح منهجية تخص النقد المعرفي الشعري؟
إن مادة البحث تحاول الإجابة عن هذين السؤالين بالكيفية التي اشتغلنا فيها على النقد المعرفي الذي أخذنا إلى مساحة أضيق مع الشعر العراقي التسعيني الذي زخرَ بالثيمات المعرفيّة (العلميّة الصرفة – التاريخيَّة – الأسطوّرية …)، بما ينمُ الشعر نفسه على أنهُ ممثلٌ حداثي ثقافي مُهم في نوعيَّة التوظيف لمثل هذه المعارف المُستثمرة من البنى الكلية إلى البنى الجزئية.
وإن دراستنا النقدية المعرفيّة للنصّ الشعري استوجبت منّا الاعتماد المنهجي على مستوى المنهج النقدي الخاص إذ تبنينا (منهجية النقد المعرفي بالاعتماد على مبادئ النظرية الابستمولوجية)مع المنهج البحثي العام بالأطروحة الذي اتخذ مسار ( المنهج الاستقرائي / التحليلي ) الذي فيه استقرينا النصوص النقدية والشعرية معًا ؛ لأن طبيعة المواضيع التي تكون في هذا المجال الخصب هي الاشتغال المعرفيَّ البحت التي اتسمت بالإشكالية أولًا وبالتشظي المعرفي ثانيًا، فقد وضعنا الرؤى النّقدية والنّصوص الشّعرية داخل بواطن هذه الأطروحة وحللناها بطريقة تواكب المتلقي.
أما الخطة التي قامت عليها هذه الأطروحة فتضمنت تمهيدًا وثلاثة فصول عُنونَ التمهيد بـ(النقد المعرفي من تأسيس المفاهيم إِلى الإِجراءات النقدية) الذي حاولت تتبعه بخطية موازية ما بين الغرب والعرب وفقًا لتأسيساتهم الأولية الكاشفة عن طبيعة هذا النقد، ثم الإجراءات الفاعلة والتطبيقات ذات البعد النقدي الرصين، وجاء الفصل الأول ( من المخيلة إلى الخيال المعرفي ) الذي عقدته بمدخل كاشف عن العلاقة ما بين المخيلة والإنتاج المعرفي تلك المنطقة القارّة لتلك الانتاجيات التي ترتبط كثيرًا بعالم الإبداع، انتقالًا إلى المبحث الأول عن (الخيال المعرفي) الذي سقته بالمعرفة العلمية والمعرفة الأسطورية ،والمبحث الثاني (الاستعارة المعرفية) الذي كشفت من خلاله عن تلك العوالم المعرفية من خلال البنى الاستعارية، أمّا الفصل الثاني الذي وسمته بـ(اللسانيات المعرفية) و رفدته بالمِهاد الأولي لتلك اللسانيات الناشئة بالمبحث الأول بـ(اللسانيات المعرفية) اتخذته بمسارين متكاملين، أولها النحو المعرفي، وثانيهما التحوّل في البنية الصرفية تلك المؤسسات الحقيقية التي تشتغل عليها اللسانيات، إجمالًا مع المبحث الثاني (التداولية المعرفية) الذي جاء رصدًا فاعلًا على مستوى النقد وهو حقل فاعل جدًا في التطبيق، أما الفصل الأخير الذي اختطه بــ(الخُطاطات المعرفية) الذي كشفت بمدخله عن المفاهيم الأولية لهذا المصطلح الذي يُعتمد عليه كثيرًا هذا النقد بل يجعله لبنة فاعلة في اشتغالاته، فازدان بالمبحث الأول ( آليات الخُطاطات المعرفية )، والمبحث الثاني (التعطيل المعرفي في الخطاطة) الذي اتخذته بشقين مناسبين، أولهما العبث المعرفي، وثانيهما التعطيل المعلوماتي المتحصّل بين الكاتب والقارئ تبعًا لنصوص شعرية كانت المادة الحقيقية وفقًا لتلك الإجراءات النقدية بعد ذلك ألحقت بالفصول الخاتمة التي تجسّدت بأهم النتائج التي خلصت إليها.
فإن الغاية من هذه الأطروحة بكلِّ تبنياتها هي الكشف عن الأبعاد المعرفية المتجسدة خلف النص الشعري العراقي التسعيني تلك الأبعاد التي وضعت النص الشعري العراقي التسعيني بمقدمة النصوص الثقافية المهمة على الساحة العراقية والعربية متقصيةً ليست التجارب بل جيل شعري كامل تعدى الزمنية المقحمة له، وبذلك انجرت نصوصه إلى الحقول العلمية ومصطلحاتها واكتشافاتها الجادة.
