المستخلص
فإنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ بما تَنمازُ به من ثَراءٍ في الألفاظِ، ودِقَّةٍ في الدَّلالةِ، واتِّساعٍ في البيانِ، ظلَّت وعاءَ الفِكرِ الإنسانيِّ، وبها حُفِظَت العلومُ، وتَناقَلَتِ المعارفُ. وقد أولى عُلماءُ العربيَّةِ القُدماءُ عنايةً فائقةً بألفاظِها ووُجوهِ استعمالِها، فدَرَسوا ما يَتعلَّقُ بأعضاءِ جِسمِ الإنسانِ وأجزائِه. ثَمَّ ظهرتْ مُؤلَّفاتٌ لُغويَّةٌ موسَّعةٌ ومُستقلَّةٌ اختصَّت بحفظ الألفاظ الخاصة بالإنسانِ جَمعًا ووَصفًا، فيما عُرِفَ بـ(كُتُبِ خَلقِ الإنسانِ)، التي عُنِيَت بتَحديدِ الألفاظِ الدَّالَّةِ على أعضاءِ الجِسمِ الإنسانيِّ .
وفي هذا الميدانِ يَبرُزُ اسمُ الأصمعيِّ (ت 216هـ)، أحدِ أعلامِ المدرسةِ البصريّةِ، الذي عُرفَ بسَعةِ حِفظِه، ودقّةِ ملاحظتِه، وحرصِه على جَمعِ ألفاظِ العربِ في أبوابِها المختلفةِ. وقد كانَ لجهودِه في كُتبِ خَلقِ الإنسانِ أثرٌ بارزٌ يظهرُ في ما ألَّفَه اللاحقونَ، فصارَ مَرجعًا أساسيًّا لمَن ألف بعدَه من عُلماءِ اللُّغةِ.
ومِن هنا جاءت هذه الدِّراسةُ الموسومةُ بـ (أثرِ الأصمعيِّ(ت216هـ) في كُتبِ خلقِ الإنسانِ – دراسةٍ لُغويّةٍ تحليليّةٍ) محاولةً لبيانِ أثر الأصمعيِّ في هذا اللونِ من التأليفِ، والكشفِ عن أثرِه في إثراءِ الألفاظِ الخاصة بأعضاءِ جسم الإنسان، مع تحليلِ ما وردَ عنه وعن غيره من العلماءِ في هذا الجانبِ .
وقد جاء اختيارِي لهذا الموضوع، الذي اقترحه (أ. د. مكي نومان مظلوم)، رغبةً علميةً مني في تتبُّع صدى هذا العِلْم في هذا النوع من المؤلفات، وتسليط الضوء على طبيعة المادة اللغوية العلمية عند الأصمعيّ وإسهاماته فيها ، وتحليل حضوره المعرفي والمنهجي داخل هذه المدونات.
ويهدف البحثُ إلى إبراز جانبٍ مهمّ من جوانب التراث العربي، لم يحظَ – في حدود اطلاعي – بدراسةٍ وافيةٍ تعنى بتتبُّع أثر الأصمعيّ تحديدًا في هذا المجال.
واستَعَنتُ بالله تعالى وبدأتُ في تتبُّع خُطى الأصمعيّ في مَنْ أَلَّفَ بعدَه، من خلال كتب خلق الإنسان المستقلة، بالاعتماد على النقل الصريح وغير الصريح عن الأصمعيّ.
وبموجب ما جُمعَ من مادةٍ اقتضت طبيعة الدراسة أن تكون على ثلاثة فصول، ضَمَّت مباحث، وسُبِقَت بمُقدِّمة وتمهيد، ولُحِقَت بخاتمة:
أمّا التمهيد: فقد عَقَدْتُهُ على: التعريف بالأصمعيّ، وهو على مبحثين: الأول: الحديثُ عن سيرته، من حيثُ اسمُهُ ولقَبُهُ ومولدُهُ ووفاتُهُ، ومنزلتُهُ العلميةُ، وشيوخُهُ وتلاميذُهُ، وآثارهُ المنشورةُ والمفقودةُ .والثاني: تضمّن مؤلّفات خلقِ الإنسانِ في التراثِ، منها: الكتبُ المستقلةُ في خلقِ الإنسانِ، والكتب التي أفردت بابًا أو جزءًا في خلقِ الإنسانِ.
أما الفصل الأوَّل فعقدتُه على: أثر الأصمعيّ في مناهج تأليفِ كُتُبِ خلقِ الإنسانٍ. وقد قسَّمته على ثلاثةِ مباحث، الأول: التعريف بمنهج الأصمعيّ في كتابهِ (خلقِ الإنسانِ). والمبحث الثاني: أثر الأصمعيّ في كُتُبِ خلقِ الإنسانِ اللاحقةِ. والمبحث الثالث: أثر الأصمعيّ في شواهدِ الكُتُبِ ومصادرِها .
وأمَّا الفصل الثاني فتضمن الدراسة التحليلية لأعضاءِ جسمِ الإنسانِ، مقسّمًا على ثلاثةِ مباحثَ، الأول: الألفاظُ الدالّةُ على الرأسِ والوجهِ والعنقِ. والمبحث الثاني: بالألفاظ الدالّة على الظّهرِ والبطنِ وما يلحقُ بِهِما. والثالث: الألفاظُ الدالّةُ على يدِ الإنسانِ ورجلهِ.
وأمَّا الفصل الثالث فتضمنالصفات الخَلْقِيّة دون الخُلُقِيّة؛إذ لم أعثر عليها ضمن الأثر الذي اتبعتُهُ عند من ألفَ بعد الأصمعيّ، وعقدته على ثلاثة مباحث، المبحث الأول: الصّفاتُ الدالّةُ على الرّأسِ والوجهِ وما يَلحقُ بِهِما والمبحث الثاني: الصّفاتُ الدالّة على الظَّهرِ والبَطنِ وما يَلحقُ بِهِما. والمبحث الثالث: الصّفاتُ الدالّةُ على الكتفِ واليدِ والرّجلِ.
وقد واجهتني خلال إعداد هذه الرسالة جملة من الصعوبات، أبرزها التشتت الكبير للمادة المنقولة عن الأصمعيّ في بطون الكتب، وصعوبة التحقق من نسبة بعضها إليه نظرًا لتعدّد الرواة، وتداخل النقول. كما تطلّب جمعها وتبويبها جهدًا في التتبع والتحليل، مع مراجعة عددٍ كبير من المصادر والمراجع.
