المستخلص
إنَّ اللُّغةَ العربيةَ، هذا الكنز الذي لا تفَنى عَجائِبهُ ولا تَنْضَبُ يَنابيعُهُ، هي الوعاءُ الذي حفظَ تاريخَ أمتِنا وحضارَتِها، ولقد أدركَ العلماءُ الأَوائلُ أهميةَ صونِها وتدوينِها، فكانتِ المعاجمُ اللُّغويّةُ هي السدَّ المنيعَ الذي حالَ دونَ اندثارِ مفرداتِها، والأساسَ المتينَ الذي قامتْ عليهِ علومُها. فالمعجمُ ليسَ مجردَ قاموسٍ للكلماتِ، بل هوَ سجلٌ حافلٌ للثقافةِ والتاريخِ، يوثّقُ تطورَ الدلالاتِ وتَغَيّرُ الاستعمالاتِ، ويحفظُ لنا كُنوزًا منَ الأَلفاظِ التي لولا المعاجمُ لغابتْ عنِ الوجودِ. وبفضلِ جهودِ أئمةِ اللُّغةِ، الذينَ قضوا أعمارَهُم في جمعِ الشاردِ، وتَصنيفِ الواردِ، تَمكنتْ هذهِ اللُّغةُ منَ الصّمودِ والبَقاءِ، مُحافظةً على أَصالتِها وثَرائِها، لتبقى منارةً تهتدي بها الأَجيالُ.
وفي خِضَمِ هذهِ الجهودِ العظيمةِ لحِفظِ اللُّغةِ وتَوثيقِها، تبرزُ أهميةُ علمِ تحقيقِ النصوص في إحياءِ التراثِ اللُّغويِّ. فكمْ من كُنوزٍ دفينةٍ، ومخطوطاتٍ فريدة، لم ترَ النورَ بعدُ، تحملُ بينَ طيّاتِها أَسرارًا وعلَلًا، وتكشفُ عن آراءٍ ونصوصٍ لم يتسنَّ للمتأخرينَ الاطلاعُ عليها، إنَّ تحقيقَ هذهِ المخطوطاتِ هوَ إحياءُ علميّ وثقافيّ، تَبعثُ الحياةَ في نصوصٍ كانتْ في طيّ النسيانِ، وتفتحُ آفاقًا جديدةً للبحثِ والدراسةِ، وتثري المكتبةَ العربيةَ بمصادرَ أصيلةٍ لا غنى عنها للباحثينَ والمتخصصينَ. ومنْ هذا المنطلقِ، يكتسبُ تحقيقُ المخطوطاتِ أهميةً قصوى في الكشفِ عنِ المجهولِ، وتوضيحِ المبهمِ، وتقديمِ إضافاتٍ نوعيةٍ للمعرفةِ اللُّغويةِ.
لقد كانَ من توفيقِ اللّٰهِ وفضلِه أن وقعَ اختياري على كتابٍ نفيسٍ قلّ نظيرهُ في بابهِ، ألا وهو “الجوابُ عمّا استَبْهَمَ من الأسئلةِ المتعلّقةِ بحروفِ المعجمِ” للعلّامةِ محمود شكري الآلوسيّ، ليكونَ موضوعًا لرسالتي في الماجستيرِ، فهو يكشف فيها عن دقائقِ حروفِ المعجمِ، ويُجيبَ عن أسئلةٍ ظلتْ تثيرُ حيرةَ الباحثينَ وغموضَ المتفحصينَ.
لقد اقتضتْ طبيعةُ هذا البحثِ أن تُقسَّمَ الرسالةُ على قسمينِ رئيسينِ:
القسمُ الأولُ: الدراسةُ، ويشتملُ على فصلينِ: الفصلُ الأولُ: خصصتُهُ للتعريفِ بمؤلِّفِ هذهِ الرسالة، الإمامِ محمود شكري الآلوسيّ، وذلكَ في مبحثينِ: الأولُ، درسْتُ فيهِ سيرتَهُ العطرةَ منْ ولادتِه ونشأتِه إلى وفاتِه. والثاني، عرضتُ فيهِ مؤلّفاته النفيسةَ التي أَغنى بها المكتبةَ العربيةَ.
أمّا الفصلُ الثاني: فقد كرّستُهُ لدراسةِ الكتابِ نفسه، ثمّ وصفتُ النسخةَ الخطيةَ الفريدةَ التي اعتمدتُها في التحقيقِ، مُبيِّنةً حالَها وسماتِها، ثم فصّلتُ القولَ في المنهجِ الذي اتبعْتُه في تحقيقِ هذا الكتاب، مراعيةً القواعد العلميةِ التي أرساها المحققونَ الثُّقاتُ.
أما القسمُ الثاني: فقد جعلتُه للنصِّ المحقَّقِ، وهوَ متنُ الكتابِ الذي بينَ يَدينا، مُحاولةً إخراجَه بأبهى حُلّةٍ وأدقِّ صورةٍ، ليكونَ مَرجعًا سَهلَ التناولِ نافعًا للدارسينَ والباحثينَ.
ويلي ذلكَ الفهارسُ الفنيةُ للكتابِ التي تُعدُّ مفاتيحَ لدقائقِه وجواهرهِ، ثمَّ المصادرُ والمراجعُ التي استندَ إليها البحثُ.
لقد بذلتُ قصارى جهدي لإنجازِ هذا العملِ على أكمل وجهٍ، ساعية قَدْرَ المستطاعِ للوصولِ إلى الصوابِ. وإنْ ظهرَ فيهِ خطأٌ أو سهوٌ، فهو نتيجةٌ طبيعيةٌ لكونِها تجربتي الأولى في هذا الميدانِ، ولطبيعةِ النقصِ البشريِّ.
