You are currently viewing أطروحة دكتوراه هشام نجم / بعنوان: المفاوضات السياسية وأثرها في الحياة العامة خلال العصر الاموي (41-132ه/661-749م)-دراسة تاريخية تحليلية

أطروحة دكتوراه هشام نجم / بعنوان: المفاوضات السياسية وأثرها في الحياة العامة خلال العصر الاموي (41-132ه/661-749م)-دراسة تاريخية تحليلية

المستخلص

    وبعد فقد شكلّت المفاوضاتُ السياسية في العصر الاموي إحدى الركائز الاساسية في إدارة حلّ النزاعات والخلافات ، إذ إنّ المفاوضات السياسية كانت تمثل أداةً حيوية لتحقيق الأهداف والتوازن بين القوى المتصارعة ، وربما يكون هذا الصراع داخل الكيان السياسي الواحد او يكون في علاقته الخارجية بهدف التوصل الى اتفاق يحقق الغايات والاهداف المرتبطة في سياسة الدولة.

    ولذا فإنّ دراسة المفاوضات السياسية من جوانبها المختلفة وما رافقتها من مباحثات سواء في الجانب السياسي أو المالي أو الاداري كانت تتطلب أدوات تفاوضية عديدة منها الاقناع والمساومة والحوار والصلح ، فضلاً عن المراسلات وأحياناً يتطلب الأمر إغراء الخصوم بالمناصب الادارية وإعطاء المال لكسب الولاء ، وهذا ما يصور لنا الرؤية السياسية للدولة ومدى قوتها في اتخاذ وصنع القرار من خلال معرفة نقاط الضعف للخصم وإخضاعه لتقديم التنازلات عن طريق المفاوضات  .

    ولا نجافي الحقيقة التاريخية إذا قلنا أنّ التحديات التي واجهتها الدولة الاموية ، فضلاً عن سياسة الدولة الخارجية والفتوحات الاسلامية قد رافقتها مفاوضات سياسية كبيرة تحمل في طياتها الخبرة السياسية للمتفاوضين وقدرتهم في التفاوض , إذ لم تكن القوة العسكرية أحياناً هي الحلّ الوحيد للصراعات الكافية لضمان استقرار الدولة ، وحلّ الازمات وتحقيق الاهداف ، لذلك كان الأمويون في مدة حكمهم يعمدون إلى التفاوض السياسي مع الخصوم ، واستخدام القوة العسكرية أحياناً .

    وفي ضوء هذه المعطيات وقع اختيارنا على دراسة موضوع (المفاوضات السياسية وأثرها في الحياة العامة خلال العصر الاموي (41-132ه/661-749م) دراسة تاريخية تحليلية) ، فقد شهدت الدولة الاموية مفاوضات سياسية متعدد الغايات سواء كان ذلك على مستوى الحركات أو الثورات الداخلية أو مع القوى الخارجية أو مع المدن المفتوحة ، لاسيما وأنّ هذا العصر كان عصر فتوحات امتدت على مساحة جغرافية واسعة من الصين الى أقصى الشرق الى المغرب والاندلس في أقصى الغرب ، وهذا ما شكل ضرورات مستجدة يفرضها الواقع عندما تكون عملية المفاوضات والاتفاقات أداة سياسية تهدف الى حقن الدماء واظهار قوة الدولة العسكرية والسياسية معا وذلك من خلال فرض هيبة الدولة وكانت القوة العسكرية هي آخر الحلول .

    كل ذلك كان باعثاً لنا للولوج في دراسة التفاصيل الدقيقة والمهمة لهذا الموضوع بما يكشف لنا الصورة الحقيقية عن التفاوض السياسي سواء كان مباشراً أو غير مباشر ومدى قوة الذكاء والحنكة السياسية للأشخاص المفاوضين في التفاوض بما يحقق الهدف الرئيسي وعدم إراقة الدماء والحفاظ على أرواح المسلمين من المواجهة المباشرة مع الخصوم وبهذا حققت المفاوضات الأهداف المراد تحقيقها .

    وبناء على ما تقدم كان هدف الدراسة تحليل طبيعة التفاوض والمفاوضات السياسية في العصر الأموي وذلك من خلال بيان ماهياتها وأدواتها والهدف منها وتأثيرها في استقرار الدولة ، كما تسعى الدراسة الاجابة على عدد من الفرضيات التي لابدّ من الإجابة عليها في ثنايا هذه الدراسة ومنها ما هي الخصائص المميزة للمفاوضات السياسية في العصر الاموي؟ ، وكيف أسهمت هذه المفاوضات في ادارة الصراعات الداخلية؟ ، وما دورها في العلاقات الخارجية لاسيما مع القوى الكبرى والمجاورة ؟ والى أيّ مدى يمكن عدّ المفاوضات أداةً بديلةً أو مكمّلةً للقوة العسكرية .

    ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة كونها تسلط الضوء على جانب مهم في التاريخ الاسلامي السياسي الذي لم يحظ بما يكفي من الدراسات والتحليل الدقيق في إظهار التأثير الكبير للمفاوضات في مسار الأحداث على الرغم من تأثيرها الكبير في سياسة الدولة ، لذا كان لزاماً علينا الوقوف عند الروايات والنصوص التي تفصح عن هذا الموضوع من خلال قراءة متعمقة ومتأنية تعتمد على التحليل والربط في محاولة جادة للخروج بأفضل النتائج.

    اعتمدت هذه الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي من خلال دراسة المصادر الاصلية مثل كتب التراجم والطبقات وكتب التاريخ العام وتحليل الروايات المختلفة ومقارنتها ، فضلاً عن الاستفادة من المراجع الحديثة ذات العلاقة المباشرة بموضوع الدراسة.

    وبحسب اطلاعي وطوال مدة البحث والدراسة لم أجد دراسة علمية اكاديمية متكاملة سوى رسالة ماجستير لا تمت بصلة بموضوع دراستنا وجاءت تحت عنوان (المفاوضات والمعاهدات بين المماليك البحرية والصليبين في بلاد الشام (648-784ه/1250-1382م) ، في الجامعة الاسلامية في غزة –كلية الآداب – للباحث محمد سالم محمد صلاح .

    وهنا لابدّ من ذكر دور استاذي الاستاذ الدكتور حامد حميد عطية الراشدي الذي كان له الفضل في اختيار عنوان الدراسة والتشجيع على دراسته ، فضلاً عن ذلك كان اختياري لهذا الموضوع رغبتي الشديدة في دراسة المفاوضات السياسية في العصر الأموي ، وطموحي بإضافة هذه الدراسة معلومات مهمة يمكن أن تكون مصدراً مستقلاً من مصادر التاريخ الاسلامي في المكتبة العربية الاسلامية  .

    لم تخلُ الدراسة من صعوبات فرضتها طبيعة البحث ولعلّ أبرزها سعة الموضوع وضرورة التتبع الدقيق للروايات التاريخية ، والتي غالباً ما وجدناها متناثرة في المصادر والتي حاولت جاهداً على جمع ما يتعلق بموضوع الدراسة .

    اقتضت طبيعة الدراسة تقسيم الاطروحة إلى أربعة فصول سبقتها مقدمة تطرقتُ فيها إلى أهمية الموضوع وتحليل لأهمّ المصادر والمراجع وتلتها خاتمة أجملتُ فيها أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة وأعقبتها قائمة المصادر والمراجع وملخّص الاطروحة باللغة الانكليزية .

    تناولت في الفصل الاول ، المفاوضات السياسية دراسة في مفهومها ودلالاتها في الاسلام ، من حيث معناها اللغوي والاصطلاحي مشيرا بعد ذلك الى المفاوضات السياسية في ضوء الشريعة الاسلامية والتي انطوت تحت عنوان المفاوضات السياسية في المفهوم ودلالتها في الاسلام ، ثم بعد ذلك الى المفاوضات السياسية في ضوء القرآن الكريم والمفاوضات السياسية في ضوء السنة النبوية ، وبحثتُ في هذا الفصل المفاهيم الاساسية للمفاوضات ومراحل إبرامها وأهميتها وما ينطوي تحتها من صفات المفاوض السياسي والصفات الخلقية للمفاوض والهدف والامانة واللين والمسامحة للمفاوض ، ولكي نعطي صورة واضحة ومتكاملة للدراسة عن المفاوضات بحثتُ في الاعداد والاستعداد للتفاوض وأهداف التفاوض السياسي ، فضلاً عن أنواع الأساليب في المفاوضات السياسية ، منها التفاوض السياسي والمساومة والاقناع والتفاوض السياسي والصلح ،  وتطرقتُ إلى دور الاعلام في المفاوضات ، فضلاً عن نماذج من المراسلات في عهد الرسول r مع الملوك وعلاقتها بالمفاوضات السياسية

    أما في الفصل الثاني ، فقد جاء بعنوان المفاوضات السياسية في الدولة الاموية الفرع السفياني (41-60ه/661-679م) ، فكانت الدراسة فيه حسب تسلسل الخلفاء ، إذ تحدثتُ عن المفاوضات السياسية في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان مع القادة ، ومع القبائل ، ومع الروم وجبهة المشرق وجبهة المغرب وحركات المعارضة ، ومن بعده المفاوضات حسب تسلسل الخلفاء .

    في حين استهل الفصل الثالث ، عن المفاوضات السياسية في العهد المرواني (64-101ه/683-719م) وكيفية انتقال الحكم من الفرع السفياني الى الفرع المرواني بدءاً بالخليفة مروان بن الحكم الى نهاية حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز (99-101هـ/717-719م) ، حسب تسلسل الخلفاء في الحكم وما رافق حكمهم من مفاوضات سياسية.

    وقد اشتمل الفصل الرابع ، على المفاوضات السياسية عند الخلفاء المروانيين المتأخرين من سنة (101-132ه/719-749م) بدءاً من الخليفة يزيد بن عبد الملك الى نهاية حكم الخليفة مروان بن محمد بن الحكم وما رافق حكمهم من مفاوضات سياسية.