المستخلص
إنّ دراسة النصوص الأدبية من حيث علاقتها بالبيئة كانت محددة بأُطر تمنع انفتاح جنبات هذه العلاقة على الجانب الآخر الذي يركز (النقد البيئي ) من خلاله على مسألة مابعد الإنسان الذي يساعدنا على التحرك بعيداً عن المركزية البشرية، وهذه المسألة التي طاردت الفلسفة الغربية على مدار تأريخها فهي ملتصقة ب (النقد البيئي ) منذ خمسة عشر عاماً والذي أَخذ على عاتقه تحليل الأبعاد الإنسانية في النصوص الأدبية المعنية بالطبيعة، والإحساس بها من الكاتب أو المبدع، والتي تسعى بدورها الى الكشف عن موقف تجاه الظواهر البيئية وتجلياتها سلباً وايجاباً لتعميق الوعي تجاه البيئة، التي بدورها تقوم بحلّ العديد من المشكلات الناتجة من سوء استغلال هذه الطبيعة، بجميع مواردها الحية وغير الحية، والنفاذ إلى داخل النفس البشرية، التي شعرت دومًا بالحاجة إلى الركون إلى الطبيعة، بوعي منها، أو من دون وعي.
وقد ارتأت الباحثة دراسة النصوص الأدبية، وتحديداً شِعرُ الرائدين من رواد الشعر الحر وهما ( بدر شاكر السياب ، ونازك الملائكة)، تحت ضوء النقد البيئي،؛وذلك لأنَّ النقد البيئي لم تطله يد الدارسين كثيراً بعد تحليلاً وتعقيباً ، فضلاً عن أنَّ حاجة المكتبة العربية لمثل هذه العناية الأكاديمية في النقود الحديثة، ولا سيّما (النقد البيئي)، الذي ما زال فتياً في الساحة الأدبية.
ولقد اقتصرت دراستي على نتاج الشاعرين الكبيرين (بدر شاكر السياب ، ونازك الملائكة)؛ لكون السياب ونازك الملائكة يختلفان في الرؤية بالإضافة الى أنهما من أكثر الشعراء التصاقا ببيئاتهم، فآثرتُ الكتابة عنهما، ولا نية لي في إقامة موازنة بين أشعارهم، بقدر التركيز على أثر البيئة في نتاجهما الشعري.
إنَّ ما تضيفه هذه الدراسة الى الدراسات السابقة هو تقديم قراءة نقدية بيئية تطبيقية لشعر الرائدين (السيّاب، نازك الملائكة) متتبعة نتاجهما وفقاً لتوصيات النقد البيئي .
وقد واجهت صعوبة في الحصول على المصادر العربية والمترجمة المتعلقة بموضوع النقد البيئي ؛لكون المكتبة العربية تفتقر إلى النتاج البيئي الذي نحاول الوقوف عنده اليوم.
جاءت خطة الدراسة بتمهيدٍ وثلاثة فصول، تسبقها مقدمة ، يتمحور التمهيد حول (المفاهيم التأسيسية للنقد البيئي)، متتبعة إيّاها عند النقاد المحدثين والرجوع منه الى النقاد القدماء للكشف عن أهمية البيئة في التراث النقدي العربي.
أمّا الفصل الأول، فتناولت فيه( الوعي البيئي في شعر الرواد)، ثم يتبع بمبحثين : الأول : (البيئة الصامتة)، التي يختلف عندها الصمت عن كونه صمتاً حقيقياً بل هو صمت ظاهري مبطن بلغة تبحث عن الاقتراب من الآخر والتواشج معه بغية التعبير عن هذا العالم المليء بالحياة،
أما المبحث الثاني: (البيئة الحية) الذي يدرس العلاقة بين الإنساني واللاإنساني(الحي)على وفق أخلاق بيئية تضمن المساواة بينهما موشحة بنماذج تحليلية من شِعْر الرائدين .
وتناول الفصل الثاني دراسة أنماط البيئة متمثلة بثلاث مباحث ، وسِمَ المبحث الأول بـ(البيئة الثقافية والمعرفية)، والمبحث الثاني بالبيئة النسويّة ، ووسِم المبحث الثالث بالبيئة (السياسية والاجتماعية)، وتتعاضد جميع هذه البيئات في رسم صورة حية وفاعلة للبيئة بجميع أنماطها ، وتركز على الدور الهام للطبيعية في تشكيل حجر الأساس للفهم الكلي للكون وخفاياه .
وتطرّقت في الفصل الثالث إلى الظهور الفني للتفاعل البيئي ؛ إذ جاء بثلاثة مباحث : فالمبحث الأول بعنوان( البيئة معادلاً موضوعياً )، والمبحث الثاني حمل عنوان (أنسنة البيئة)، والمبحث الثالث ، تناولت فيه (الترميز البيئي عبر الأسطرة)، فأنسنة الأشياء وجعلها معادلاً للتعبير عن حالة معينة هي الأدوات التي تستعملها الطبيعة لتحقيق نوع من التقارب بينها وبين العالم البشريّ، ولأن الأسطورة من صنع البشر واوجدتها الطبيعة فهي أول تعاون مشترك بين الطبيعة والإنسان .